المقاومة الثقافية.. لبنان تحت الحكم الأمريكي العسكري والسياسي..!
د. نسيب حطيط ||

تكاد أمريكا تحقق أهداف مشروعها الذي بدأته عام 2019 لإسقاط لبنان في قبضتها، والقضاء على المقاومة ومشروعها، وتأمين الأمن الإسرائيلي وتثبيت لبنان كقاعدة إدارة وتحكّم لشرق أوسط جديد، ليكون توأماً لإسرائيل التي تمثل القاعدة العسكرية الأمريكية من أجل تحقيق مشروع الرئيس ترامب “السلام بالقوة”.
زار وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، “مايك بومبيو” لبنان في آذار 2019، وطرح المشروع الأمريكي، للقضاء على”الحزب ” وليس إنهاء المقاومة العسكرية فقط، ضمن مخطط من خمس نقاط يهدف إلى:
– القضاء على حزب الله.
– التطبيع مع العدو الإسرائيلي.
– إقرار إصلاحات الاقتصادية.
– توطين الفلسطينيين.
– تجنيس جزء من النازحين السوريين تحت مسمى “الدمج”.
بدأ هذا المشروع بما عُرِف بانتفاضة تشرين، وما تبعها من انهيار الليرة اللبنانية وسرقة الودائع ، وشلل المؤسسات والاقتصاد في إطار ما يسمى “الحرب على الأمن الاجتماعي اللبناني” لإنهاك الشعب وإشغاله في تأمين حده الأدنى من العيش، منذ سبع سنوات،حيث استطاعت أمريكا تحقيق عدة اهداف من مشروعها ،وتعمل الآن على تحقيق هدفين “أساسيين” :
– القضاء على حزب الله بالقوة العسكرية الإسرائيلية عبر الحرب المستمرة والاجتياح البري والتفاوض المباشر
– التطبيع مع العدو وإعلان اتفاق سلام واعتراف متبادل.
لكن التعديل المفصلي في مشروع “بومبيو” يكمن بتقديم اتفاق التطبيع على القضاء على المقاومة بسبب عجزه العسكري عن اجتثاث المقاومة ، رغم الضربات القاتلة التي أصابتها باغتيال قائدها السيد الشهيد، وعمليات “البيجر”، واغتيال القيادات الميدانية، وقصف مخزونها الصاروخي وسقوط عشرات آلاف الشهداء والجرحى وتدمير القرى والمدن، ورغم التعاون المستجد والعمل المشترك بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية ضد المقاومين باعتبارهم “خارجين عن القانون”.
إن الفارق الجوهري بين السياسة الأمريكية وبين “سياسة “المعارضين لمشروعها هو أنها تخضع لنظام المؤسسات ومراكز التخطيط والأبحاث وتعتمد في التنفيذ على قوى وشخصيات مباشرة وغير مباشرة وفق الساحة التي تعمل فيها وفي المقابل، تعتمد القوى التي تعارضها على منظومة الشخص الواحد أو “الزعيم الأوحد” والحزب القائد ،
فلا خطط، ولا مراكز دراسات أو أبحاث، ولا هيئات حزبية فاعلة، حيث يتدخل ” الزعيم ” او “الحزب” بترشيح مختار أو تعيين موظف بالتلازم مع انخراطه في العلاقات الدولية، مما يؤدي لنجاح المشاريع الأمريكية والغربية، وإلى التخبط والفشل في مشاريع مواجهة المخططات الأمريكية!.
نجحت أمريكا في تنصيب سلطة سياسية لتنفيذ مشروعها، واستدرجت قوى المقاومة لتكون شريكة في “شرعنتها” ديمقراطياً عبر المؤسسات الدستورية، والتي كانت تقوم بدور شكلي ولتحويل الإملاءات الخارجية إلى قوالب دستورية نافذة، فاستطاعت من خلال هذه السلطة المنصَّبة،( ثنائي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة) ولأول مرة في تاريخ لبنان ينجح في تجاوز المرجعيات الدينية والسياسية، وتهميش الأحزاب والقوى السياسية، والتعامل معهم بمنطق قرارات الأمر الواقع دون انتظار موافقتهم، حتى في الأمور الاستراتيجية والوطنية الكبرى؛ كما حصل في التفاوض المباشر مع العدو، ونزع سلاح المقاومة، واتفاقية التطبيع، مع الاكتفاء بتطييب خواطرهم والتشاور معهم في بعض التعيينات الإدارية التي يكتفون بها!.
ترتسم البسمة على شفاه المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين، مصحوبة بابتهاج علني احتفالاً بما يظنونه انتصاراً كبيراً، لم يكونوا يتخيلون حصوله، خاصة وهم يرون غياب أي معارضة حقيقية لهذا الاتفاق إذ اقتصرت المعارضة على بعض البيانات التي تنتهي مفاعيلها فور إصدارها، فلا مظاهرات، ولا تحركات شعبية، ولا مقاطعة للحكومة، بل جرى طمأنتها بعدم تحريك الشارع وتتجه أمريكا الآن إلى تنفيذ الاتفاق ميدانياً ،بإشراف مباشر وقيادة ميدانية عبر ضباطها، وقد تؤخر طرحه في الحكومة ومجلس النواب لحين انتهاء التنفيذ العملي، دون إكتراثٍ ،للمعارضين له الذين ينتظرون إسقاطه في المؤسسات الدستورية، لإطمئنان “واشنطن”، امتلاكها الأكثرية الوزارية والنيابية لتشريعه وإقراره بسهولة متى أرادت بالترغيب والترهيب والإبتزاز والعقوبات!
إن هذا الاتفاق ،لن تسقطه إلا المقاومة الشعبية المدنية والمقاومة المسلحة الصادقة، تماماً كما أُسقط اتفاق 17 أيار في الشارع قبل إسقاطه في مجلس النواب، وكما تم تحرير الجنوب بالقوة لا بالقرارات الدولية.
لن يسقط لبنان في قبضة أمريكا كما تتوهم هي وإسرائيل ورغم أن المعارضين الصادقين، للتطبيع والاستسلام “قلّة” محاصرة اليوم (كما كان الحال بعد اجتياح 1982)، إلا أنها قادرة على عرقلة المشروع الأمريكي_الإسرائيلي وإقلاقه كمرحلة أولى، وصولاً إلى استعادة السيادة، وطرد الاحتلال وتحرير لبنان من الاستعباد.
لتأسيس “الجبهة الوطنية لمقاومة التطبيع والاحتلال ورفض التوطين ودمج النازحين”…فمقاومة التطبيع والتوطين ليست مسؤولية طائفة أو تنظيم، بل مسؤولية اللبنانيين جميعاً!
د.نسيب حطيط



