الالية الرباعية للاشراف على وقف اطلاق النار؛ وإسرائيل تصف الاتفاق بـ”الاستسلام”..!
قاسم الغراوي ||

لم يكن أكثر ما لفت الانتباه في الإعلان عن الآلية الرباعية للإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان هو الاتفاق نفسه، بل حالة الغضب التي اجتاحت الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية. فالقناة 15 الإسرائيلية لم تتردد في وصف ما جرى بأنه “اتفاق استسلام أميركي أمام إيران”، معتبرة أن واشنطن أدخلت طهران إلى آلية الرقابة والإشراف في لبنان .
طوال سنوات الحرب والتصعيد والاغتيالات والقصف والتهديدات كانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تتحدث عن ضرورة إقصاء إيران من المشهد اللبناني وكسر نفوذها في المنطقة ، لكن الواقع الذي أفرزته المواجهات أثبت أن تجاهل الحقائق على الأرض لا يصنع سياسة ناجحة، وأن القوى الفاعلة لا يمكن شطبها بالتصريحات ولا بالقوة العسكرية وحدها.
إن غضب إسرائيل من إشراك إيران في آلية الإشراف ليس اعتراضاً على مبدأ السلام أو وقف إطلاق النار، بل اعتراض على الاعتراف بحقائق التوازنات الجديدة لان المشكلة بالنسبة لها ليست في وقف الحرب، بل في أن الاتفاق لم يُصغ وفق الشروط الإسرائيلية الخالصة ولم يمنحها حق الوصاية المطلقة على مستقبل لبنان وأمنه.
المفارقة أن إسرائيل التي طالما طالبت العالم بالاعتراف بـ”الواقع الأمني” الذي تواجهه ترفض اليوم الاعتراف بالواقع السياسي الذي فرض نفسه في المنطقة. وعندما تعجز القوة العسكرية عن فرض إرادتها بالكامل يصبح أي اتفاق متوازن في نظر المتطرفين “استسلاماً” للطرف الآخر.
لقد اعتادت الحكومات الإسرائيلية، وخاصة تلك التي يقودها اليمين المتطرف، على التعامل مع المنطقة بمنطق القوة المجردة: قصف بلا حساب، واغتيالات بلا ضوابط، وتهديدات لا تنتهي. لكن التجارب أثبتت أن الأمن لا يُبنى بالقوة وحدها، وأن الاستقرار يحتاج إلى تفاهمات تعكس موازين القوى الحقيقية لا الأمنيات السياسية.
ولعل أكثر ما يزعج تل أبيب اليوم هو أن العالم بدأ يدرك أن الحروب المستمرة لم تحقق أهدافها المعلنة وأن منطق الإملاءات الأحادية وصل إلى حدوده القصوى. لذلك فإن وصف الاتفاق بـ”الاستسلام الأميركي” يكشف في جوهره حجم الإحباط الإسرائيلي من الفشل في فرض الشروط التي كانت تطمح إليها أكثر مما يكشف حقيقة الاتفاق نفسه.
إن ما يجري ليس استسلاماً لأحد، بل اعتراف متأخر بأن الشرق الأوسط لا يمكن أن يُدار بإرادة طرف واحد وأن زمن احتكار القرار وتجاهل اللاعبين الإقليميين الفاعلين لم يعد كما كان.
أما الصراخ الإسرائيلي المتصاعد فربما يكون الدليل الأوضح على أن الاتفاق لم يُكتب هذه المرة في تل أبيب وحدها في مكان اخر فرضته قوى اقليمية نافست الوجود الامريكي وتصدت للاطماع الاسرائيلية الا وهي جمهورية ايران الاسلامية .




