الخميس - 25 يونيو 2026
منذ 3 ساعات
الخميس - 25 يونيو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

Screenshot

 

 

تُقاس قيمة الحكومات والدول في نهاية المطاف بقُدرتها على خدمة مواطنيها وتحسين حياتهم ، لا بحجم الخطابات التي تُلقى ولا بعدد الشعارات التي تُرفع ، فالمواطن أينما كان لا يبحث عن الوعود بقدر ما يبحث عن نتائج ملموسة يراها في أمنه ومعيشته وتعليمه وصحته ومستقبل أبنائه ، وحين تنجح الدولة في تحويل مواردها وإمكاناتها إلى مشاريع تنمية وخدمات وفرص عمل ، فإنها تكتسب شرعيتها الحقيقية من رضا الناس وثقتهم لا من أي شيء آخر .

إن التجارب الدولية أثبتت أن قوة الدول لا تُبنى بالشعارات وحدها ، بل بإرادة سياسية تمتلك رؤية واضحة ومشروعاً وطنياً مُتكاملاً ، فالنخب السياسية التي تؤمن بأوطانها وتضع مصالح شعوبها فوق المصالح الضيقة تكون أكثر قُدرة على مُواجهة التحديات ، وأكثر أستعداداً لتحمل المسؤولية وأتخاذ القرارات الصعبة من أجل حماية السيادة وتعزيز الاستقرار وتحقيق التنمية ، وعندما يصبح الانتماء للوطن هو البوصلة التي توجه القرار السياسي ، تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات للبناء والإعمار بدلاً من أن تكون ساحات للصراع والتنافس على النفوذ والمكاسب .

ومن يتابع تجارب العديد من الدول في المنطقة والعالم يلاحظ أن عوامل النجاح لا ترتبط دائماً بحجم الثروات أو الموارد المُتاحة ، بل بمدى كفاءة الإدارة وحُسن أستثمار الإمكانات ، فأيران على سبيل المثال قد واجهت حصاراً وضغوطاً وصراعات معقدة مُنذ أندلاع الثوره الأسلامية فيها بقيادة السيد روح الله الخميني عام 1979 ، لكنها أستطاعت أن تُحافظ على تماسكها الداخلي وأن تطور قُدراتها في مجالات مُتعددة لأنها أمتلكت قيادة تُؤمن بأهدافها الاستراتيجية وتسعى إلى تحقيقها بإصرار وأستمرارية ، وفي المقابل العراق الذي يمتلك ثروات هائلة لكنه لم يستطع تحويل تلك الثروات إلى نهضة حقيقية بسبب سوء الإدارة وضعف التخطيط وتغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة.

إن التحدي الأكبر اليوم لا يكمن في نقص الموارد أو غياب الفرص ، بل في الحاجة إلى ترسيخ مفهوم الدولة بوصفها مشروعاً وطنياً جامعاً يتقدم على كُل الاعتبارات الأخرى ، فالعراق يمتلك من المقومات البشرية والاقتصادية والجُغرافية ما يُؤهله لأن يكون دولة قوية ومُؤثرة ، إلا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب إرادة إصلاحية حقيقية تضع المواطن في مركز الاهتمام ، وتجعل من الكفاءة والنزاهة والخبرة معايير أساسية في إدارة مؤسسات الدولة لا المُحاصصة والتوازن .

لقد أثبتت السنوات الماضية أن المواطن العراقي لم يعد يبحث عن الخطابات بقدر ما يبحث عن الإنجاز ، ولم يعد يطلب المُستحيل بقدر ما يطالب بحقوق كفلها الدستور والقانون فهو يريد خدمات مُستقرة ، وفُرص عمل عادلة ، وتعليماً متُطوراً ، ورعاية صحية لائقة ، وبيئة آمنة تحفظ كرامته وتمنحه الثقة بمستقبل بلده وهذه المطالب ليست أمتيازات أستثنائية ، بل هي جوهر العلاقة الطبيعية بين الدولة ومواطنيها .

إن المرحلة الراهنة تفرض على الحكومة مُراجعة عميقة لأولوياتها لأن بناء الدولة لا يتحقق عبر إدارة الأزمات فحسب ، بل عبر صناعة الفُرص ، ووضع رؤية طويلة الأمد للتنمية والإصلاح ، فالدول الناجحة هي تلك التي تجعل مُؤسساتها أقوى من الأشخاص ، والقانون أعلى من المصالح ، والمصلحة الوطنية فوق كُل أعتبار آخر ، وعندما يشعر المواطن بأن الدولة تعمل من أجله وتحمي حقوقه وتصون كرامته ، فإنه يتحول تلقائياً إلى شريك في عملية البناء والاستقرار .

أخيراً وليس آخراً .. اليوم يقف العراق أمام فُرصة جديدة لإعادة ترتيب أولوياته والانطلاق نحو مرحلة أكثر نُضجاً وأستقراراً ، وهذه الفرصة لن تُستثمر إلا إذا أنتقلت الطبقة السياسية من منطق إدارة التوازنات إلى منطق بناء الدولة ، ومن ثقافة المُحاصصة إلى ثقافة الكفاءة ، ومن التفكير بالمكاسب الآنية إلى التخطيط لمُستقبل الأجيال القادمة ، فالعراق لا يحتاج إلى المزيد من الجدل بقدر حاجته إلى قرارات شُجاعة ، وإصلاحات حقيقية ، ومُؤسسات فاعلة قادرة على تلبية تطلعات مواطنيه .

إن أعظم رسالة يُمكن أن تُقدمها أي حكومة لشعبها ليست كُثرة الوعود ، بل جودة الإنجاز ، وعندما تصبح مصلحة المواطن هي المعيار الأول في صناعة القرار ، وعندما تُوجه موارد الدولة نحو التنمية والإعمار ومُحاربة الفساد وتعزيز سيادة القانون ، عندها فقط يُمكن للعراق أن يخطو بثقة نحو المُستقبل الذي يستحقه ، وأن يتحول من بلد يستهلك الفرص إلى دولة تصنعها وتستثمرها لصالح شعبها وأجيالها القادمة …!