الأحد - 21 يونيو 2026

إستراتيجية الخلود: قراءة في منطلقات الثورة الحسينية الخالدة..!

منذ ساعة واحدة
الأحد - 21 يونيو 2026

ـ ممثل مركز تبيين للتخطيط والدراسات الإستراتيجية في البصرة.

 

 

 

« كربلاء أول حالة رفض موثقة لشرعية القوة ومعادلة الطاعة وشراكة الظلم »

▪️ المقدمة :

كربلاء الطف عام 61 ه‍ـ لم تكن واقعة أنتهت بمجزرة الأبادة الجماعية لعائلة النبي ”صل الله عليه وآله“ وخرقت كل قوانين الحروب والقيم الأنسانية من لحظة قيامها ولغاية هذه اللحظة، ولم تكن حدثاً عابراً معزول عن الواقع، بل كانت منظومة فكرية شاملة، ومعادلة ” سياسية وأخلاقية “ رفضت الأنحراف الديني والأخلاقي للأمة الإسلامية، وكسرت كل قواعد الظلم عبر التأريخ. فالأمام الحسين عليه السلام لم يخرج طمعاً في سلطة دنيوية زائلة، ولا لاهثاً خلف المناصب التي تحول الملك الى سجن نفسي، والعرش إلى قيود القرارات التي تمنع الأرادة، خرج ليمنع تحول الدين الاسلامي من رسالة عدل إلى ”ملك عضوض“ لذلك فأن فهم منطلقات الثورة الحسينية يعني فهم سر خلودها لأكثر من 1400 عام.

ومن أهم منطلقاتها الخالدة…

1️⃣. منطلق الأصلاح السياسي:

نص المنطلق:

« أني لم أخرج أشرأ ولا بطرأ إنما خرجت لطلب الأصلاح في أمة جدي رسول الله »

تحليل النص:

شخص الأمام الحسين ”عليه السلام“ البيئة الأسلامية في تلك الفترة بدقة متناهية، والمشكلة التي خرج عليها لم تكمن في شخص الخمار يزيد، بل بالنموذج الأسلامي الذي كان يمثله هذا المنحرف، الذي فصل الدين الاسلامي عن العدالة، وأشترى الولاءات بالمال، وضرب أهم أصول الحكم الأسلامي ”الكفاءة والمساءلة” لذلك كانت ثورته عليه السلام، بداية لتصحيح مسار خاطئ، تهدف إلى أعادة شرعنة السلطة، ومن هنا أصبحت كربلاء أو حالة رفض موثقة لشرعية القوة مقابل شرعية الحق.

2️⃣. منطلق عقدي وأخلاقي:

نص المنطلق:

« ومثلي لا يبايع مثله »

تحليل النص:

هذه الجملة العظيمة قلبت معادلة طاعة ولي الأمر المطلقة رأساً على عقب، وبينت أن كل طاعة غير مشروطة بالعدل هي بيعة للظالم، وقبولها يعني عقد الزامي بالشراكة في ظلمة، وبداية التجهيز للعبودية والتنازل عن الضمير، فأختار أمامنا الحسين عليه السلام، كسر البيعة حتى لو كلفته حياته.

ومن الجدير بالذكر إن المنطلق العقدي هنا عميق جداً، فالمبايعة تعني أختزال للدين الأسلامي بلا قيم ولا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر، فخرج عليه السلام لأنه يدرك أن موت المبادئ أخطر من موت الأجساد.

3️⃣. منطلق الكرامة الأنسانية:

نص المنطلق:

« عروض الأمان المتكررة »

تحليل النص:

المنطق القيمي للأمام الحسين عليه السلام هو الموت بشرف أفضل من الحياة بذلة، وعرف أن ميزان القوى بينه وبين أعدائه لا يمنحه نصراً عسكرياً واضحاً، ومع هذا خرج حتى يصنع أقتصاد كرامة جديد للأنسان المسلم، ويعلم الأمة الأسلامية أن الكرامة ليست سلعة تباع وتشترى، لذلك الطغاة يخافون من ”لا“ أكثر من خوفهم من السيف.

وهذا المنطلق خلق قاعدة : الضغوط قد تقتل الأجساد وتكسر العظام لكن أمتهان الكرامة يفجر الثورات التي تهز عروش الطغاة. 

4️⃣. منطلق رسالي ”أنتصار الدم“ :

نص المنطلق :

« ألهي أن كان هذا يرضيك فخذ  حتى ترضى »

تحليل النص :

يحتوي هذا النص على شقين رئيسيين..

الشق الاول هو؛ القبول والطاعة والتسليم  ”قمة العبودية لله“ بينما الشق الثاني فيه إدانة أبدية لظلم الحكم الأموي الذي أنحرف وحرف معه مسار الدين الأسلامي ووضعه في غير موضعه، لأن هذا النص ورد على لسان الامام الحسين عليه السلام في دعاء يوم عاشوراء، فالأمام الحسين عليه السلام أراد أن يقول أما أن تكون في قمة العبودية لله وحده، وفي أعلى مراتب الرفض للحاكم الظالم، حتى وان كان ثمنه دماء الأهل والعيال والعشيرة أو أن تكون مشاركاً للحاكم في ظلمة.

▪️ سر خلود الثورة الحسينية :

الثورة الحسينية عالمية المنطلق، لم ترتبط بمكان ولا زمان معين، وتصلح لكل عصور الجور والظلم والأستبداد، ومشروع دائم للمجتمعات التي تبحث عن الأصلاح، فكل جيل يقرأ كربلاء يجد نفسه فيها، لأنها قيمة إنسانية عابرة للأزمنة، «فكل يوماً عاشوراء وكل أرضاً كربلاء»

غاندي الهندوسي قال« تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر»

ونيلسون مانديلا الكاثوليكي قرأ مقتل الأمام الحسين عليه السلام في سجنه.

ومارتن لوثر كينغ المسيحي قال« أستلهمت من الحسين صبره»

وجمال عبدالناصر السني قال« تعلمنا من الحسين كيف نكون أحرار»

وهذا يعني أن الثورة الحسينية لم تكن شيعية فقط، بل هي ثورة أنسانية، رفعت شعارات يرددها السني والشيعي والمسيحي.

▪️ الخاتمة :

منهج الثورة الحسينية يقول: أصلح أو ثر وأن عجزت عن الأمرين فأصرخ وأن عجزت فلا تصفق للظلم، فالتاريخ لا يرحم الصامتين والعاحزين، لذلك الإمام الحسين عليه السلام كتب أسمه بدمه قبل أن يمحى بسكوته، ليبقى خالداً في وجدان الأمم الحرة.

وبكيف الله.