الأحد - 21 يونيو 2026

الفساد في العراق.. عندما يتحول إلى طغيان..!

منذ 6 ساعات
الأحد - 21 يونيو 2026

حسن درباش العامري ||
كاتب وناقد سياسي

 

 

لم يعد الفساد في العراق مجرد تجاوزات مالية أو حالات اختلاس متفرقة، بل تطور في بعض مراحله حتى بلغ حدّ الطغيان والتغول على الدولة ومقدراتها. فمن كان يتصور يوماً أن تصل الجرأة بالبعض إلى التعامل مع أموال الشعب وثروات البلاد وكأنها ملك شخصي لا قيمة له ولا حساب عليه؟

إن الحديث عن حرق ملايين الدولارات و مليارات الدنانير من قبل زوجة واخت المتهم بسرقة اموال عائدات مصافي بيجي.. .. لا يعكس مجرد خسارة مالية، بل يكشف عن حجم الاستهانة بمصير وطن بأكمله، وعن حالة من التجبر والتكبر دفعت بعض المتنفذين إلى الاعتقاد بأنهم فوق القانون وفوق المساءلة وفوق إرادة الشعب.

لقد اجتمعت عوامل كثيرة لتغذية هذه الظاهرة؛ الطمع والجشع، واستغلال النفوذ، وضعف الرقابة، وغياب المحاسبة الحقيقية، فضلاً عن المناطقية والطائفية و تراكم الأحقاد والصراعات وضعف الامن الذي خلفة الاحتلال والزج بالارهاب القادم من خلف الحدود ، التي جعلت بعض القوى السياسية تنظر إلى الدولة بوصفها غنيمة لا وطناً يجب الحفاظ عليه.

والمؤلم أن الفساد لم يعد فعلاً فردياً معزولاً، بل تحول في بعض الأحيان إلى منظومات متشابكة تتقاسم بعض الاحزاب و المصالح وتحمي بعضها بعضاً، حتى بات المواطن يشعر وكأن هناك من يدير شبكات نفوذ أقوى من القانون نفسه. وكلما تكشفت فضيحة جديدة، ظهر من يحاول التبرير أو التغطية أو تحويل الأنظار عن أصل المشكلة وذلك هو المشترك او الفاعل نفسه .

لقد كان الحكم في العراق دكتاتوري ظالم حتى جائت امريكا بأشخاص واحزاب بعضها اكثر فسادا وظلما ،و لقد قيل للعراقيين إن التغيير جاء من أجل الحرية والعدالة وبناء الدولة، لكن الواقع الذي يراه المواطن في كثير من الملفات ومنها السكن والخدمات لتثبت أن الاستبداد بشخص واحد استُبدل أحياناً باستبداد اشخاص المصالح والنفوذ، وأن معاناة الناس استمرت بأشكال مختلفة رغم تبدل الوجوه والشعارات.

ولم يلمس الانسان التغيير الايجابي الواضح ، حتى اضيف مع انعدام الأمن تفشي ازمة السكن التي دفعت الناس نحو التجاوزات والتعدي على المناطق الزراعيه والخدمية وماكان من تلك الحكومات الا تدمير المنازل فوق رؤس اصحابها دون توفير البديل في حين تقوم ببناء وحدات سكنية تجاريه لاتنسجم وامكانية ودخل المواطن الفقر بل يبقى مدى رؤية المسؤول بحدود الطبقات العليا من المتنفذين الذين ملكوا الاموال واستأثروا بها فيما بقي الفقير بفقره وبقي العاطل بهمه والمه !!

إن أخطر ما يفعله الفساد ليس سرقة المال العام فحسب، بل سرقة الأمل من نفوس المواطنين وسرقة المستقبل والاستقرار والشعور بالامان، وتدمير الثقة بالدولة ومؤسساتها، وتحويل الشعور الوطني إلى إحباط ويأس. فهذن الأموال المنهوبة ليست أرقاماً في سجلات المحاسبة، بل هي مدارس لم تُبنَ، ومستشفيات لم تُجهز، وفرص عمل لم تُخلق، وخدمات بائسة وكهرباء معدومه بل اصبحت سلاح لمعاقبة الشعب ايام القيض والحر ،، ومستقبل أجيال كاملة جرى التفريط به.

ويبقى السؤال الذي ينتظر العراقيون إجابته: هل يأتي اليوم الذي يصبح فيه القانون أقوى من النفوذ، والدولة أقوى من الفساد، والمصلحة الوطنية أعلى من مصالح الأشخاص والجماعات؟ وهل يتسيد يوما الشريف المخلص الوطني ؟ أم أن مسلسل الهدر والنهب سيستمر حتى يدفع الوطن ثمناً أكبر مما دفعه طوال العقود الماضية؟