الأحد - 21 يونيو 2026
منذ 5 ساعات
الأحد - 21 يونيو 2026

محمد عبد الجبار الشبوط ||

 

Screenshot

 

المسرفون والإفساد في الأرض
دراسة في مفهوم النخب الفاسدة في القرآن الكريم
تقدم سورة الشعراء من خلال قصة صالح عليه السلام إشارة بالغة الأهمية إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية تتكرر في تاريخ المجتمعات، وهي ظاهرة النخب المنحرفة التي تمتلك القدرة على التأثير في المجتمع، لكنها توظف نفوذها وقوتها الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية في اتجاه الإفساد لا الإصلاح.

يقول تعالى:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (الشعراء: 150-152).
وتكتسب هذه الآيات أهمية خاصة لأنها لا تتحدث عن عامة الناس، وإنما تتحدث عن فئة تمتلك من النفوذ ما يجعل طاعتها مؤثرة في توجيه المجتمع ومساراته،

ولذلك جاء النهي بصيغة:
﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾.
والإسراف في الاستعمال القرآني لا يقتصر على تجاوز الحد في الإنفاق المالي، بل يشمل كل تجاوز للحدود التي تضبط حياة الإنسان الفردية والجماعية. فقد يكون الإسراف إسرافاً في استعمال القوة، أو إسرافاً في استغلال السلطة، أو إسرافاً في احتكار الثروة، أو إسرافاً في إشباع الأهواء، أو إسرافاً في العبث بالموارد الطبيعية، أو إسرافاً في صناعة الامتيازات غير المشروعة.
إن المسرفين الذين يتحدث عنهم القرآن ليسوا مجرد أفراد يرتكبون أخطاء شخصية، بل هم جماعات أو نخب تتحول ممارساتها المنحرفة إلى نموذج يحتذى، وإلى بنية مؤثرة في المجتمع، بحيث تصبح طاعتهم سبباً لانتشار الفساد واتساع نطاقه.

ولهذا جاء الوصف التالي مباشراً وحاسماً:
﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
ومن اللافت أن القرآن لم يقل: «ويصلحون أحياناً»، أو «ويفسدون أكثر مما يصلحون»، بل جاء التعبير بصيغة مطلقة:
﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.

وهو ما يشير إلى أن الإفساد أصبح وظيفة بنيوية ملازمة لدورهم الاجتماعي والسياسي، وأن علاقتهم بالمجتمع لم تعد علاقة خدمة وإعمار، بل علاقة استنزاف وهيمنة وإعادة إنتاج للاختلالات.

ومن خلال استقراء النصوص القرآنية، يمكن التعرف على عدد من السمات التي تميز هذه النخب الفاسدة.
أول هذه السمات الاستعلاء والاستغناء. فالقرآن يربط كثيراً بين الشعور بالغنى وبين الميل إلى الطغيان:

﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾.
وثانيها احتكار القرار العام، إذ تسعى هذه النخب إلى جعل إرادتها الخاصة مرادفة للمصلحة العامة، وتعتبر أي اعتراض على سياساتها أو مصالحها خروجاً على النظام القائم.

وثالثها إضعاف آليات النقد والمراجعة، لأن النخب الفاسدة تخشى كل خطاب إصلاحي أو قيمي يهدد مواقعها، ولذلك تقاوم الأنبياء والمصلحين، وتسعى إلى تشويههم أو إخراجهم أو إسكاتهم.

ورابعها إعادة إنتاج الفساد بوصفه ثقافة اجتماعية، بحيث لا يقتصر الأمر على ارتكاب المخالفات، بل يتحول الفساد إلى أسلوب إدارة، وإلى منظومة علاقات، وإلى شبكة مصالح متشابكة يصعب تفكيكها.

ومن منظور الفلسفة الحضارية، يمكن القول إن أخطر أنواع الفساد ليس فساد الأفراد العاديين، وإنما فساد النخب القائدة، لأن المجتمع يتأثر في كثير من الأحيان بسلوك الفئات التي تمتلك السلطة أو المال أو المكانة الرمزية.

فإذا كانت النخب صالحة، انعكس ذلك على مؤسسات المجتمع، وإذا كانت منحرفة، انتشرت العدوى الأخلاقية والإدارية والاقتصادية في مختلف المستويات.

إن القرآن لا يرفض وجود النخب في المجتمع، فالحياة الإنسانية بطبيعتها تنتج قيادات وخبرات وتخصصات ومواقع تأثير، لكنه يرفض تحول النخبة إلى طبقة مغلقة منفصلة عن منظومة القيم، أو إلى جماعة تستثمر مواقعها من أجل تحقيق مصالحها الخاصة على حساب الخير العام.

ومن هنا، فإن العلاج القرآني لا يكمن في القضاء على النخب، بل في إخضاعها لولاية القيم، وربط القوة بالمسؤولية، والثروة بالعدالة، والسلطة بالأمانة، والخبرة بخدمة الإنسان.
وتكشف قصة صالح أن انهيار الحضارات لا يبدأ دائماً من الفقر أو الضعف الخارجي، بل قد يبدأ من داخل المجتمع نفسه، عندما تتحول النخب إلى مسرفين، ويصبح الإفساد في الأرض وظيفة دائمة لهم، ويعتاد المجتمع على طاعتهم والانقياد وراء خياراتهم دون مراجعة أو مساءلة.

إن الرسالة الحضارية لهذه الآيات تتمثل في أن بقاء المجتمعات واستقرارها لا يتوقف فقط على وفرة الموارد أو تقدم العمران، بل يتوقف قبل ذلك على طبيعة النخب التي تتولى توجيه المجتمع، وعلى مدى التزامها بالقيم التي تجعل من السلطة خدمة، ومن الثروة مسؤولية، ومن النفوذ وسيلة للإصلاح لا للإفساد. وبذلك يصبح تحذير صالح عليه السلام من طاعة المسرفين تحذيراً موجهاً إلى كل مجتمع في كل زمان، من خطورة تسليم مصيره إلى نخب فقدت بوصلتها الأخلاقية، وانفصلت عن الرسالة الأساسية للحضارة، وهي الارتقاء بالإنسان في ظل ولاية القيم.