الجمعة - 03 يوليو 2026
منذ 3 أسابيع
الجمعة - 03 يوليو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

ليست مجزرة سبايكر مُجرد حادثة دامية أُضيفت إلى سجل العُنف الذي عرفه العراق خلال العقود الماضية ، بل تُمثل واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ الدولة العراقية المُعاصر لأنها كشفت حجم الانهيار الذي يُمكن أن تصل إليه المُجتمعات والدول عندما تتراجع سُلطة القانون وتُضعف مُؤسسات الدولة أمام مشاريع التطرف والكراهية ، وبعد مرور أثني عشر عاماً على تلك الفاجعة ما زال العراقيون يستذكرونها بوصفها جرحاً وطنياً مفتوحاً يتجاوز حدود المكان والزمان ، ويستدعي أسئلة عميقة تتعلق بالأمن والعدالة والذاكرة الوطنية ومستقبل الدولة نفسها .

ففي حزيران عام 2014 ، وفي خضم الانهيار الأمني الذي رافق تمدد تنظيم داعش الإرهابي في عدد من المُحافظات العراقية وقعت واحدة من أبشع الجرائم الجماعية التي شهدها العراق في تاريخه الحديث ، عندما تعرض المئات من طلبة القوة الجوية العزل للقتل الجماعي الطائفي بطريقة صادمة هزت الضمير الإنساني داخل العراق وخارجه ، ولم تكن بشاعة الجريمة محصورة في عدد الضحايا فحسب ، بل في طبيعتها التي أستهدفت شُباناً لم يكونوا طرفاً في مُواجهة عسكرية ، الأمر الذي جعلها رمزاً لوحشية الإرهاب وللثمن الباهظ الذي دفعه العراقيون نتيجة الفكر المتطرف .

إن أستذكار سبايكر لا ينبغي أن يقتصر على البكاء على الماضي أو أستعادة المشاهد المؤلمة ، بل يجب أن يتحول إلى محطة مراجعة وطنية شاملة ، فالدول لا تتعلم من مآسيها إذا أكتفت بإحياء ذكراها سنوياً ، وإنما تتعلم عندما تحوّل تلك الذكريات إلى دروس عملية تمنع تكرارها . ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى سبايكر بأعتبارها إنذاراً دائماً بضرورة بناء مُؤسسات أمنية ومعلوماتية قوية وقادرة على أستباق المخاطر ، وتعزيز منظومة العدالة بما يضمن ملاحقة كُل من تورط أو ساهم أو حرّض على تلك الجرائم مهما طال الزمن .

كما أن هذه الذكرى تضع الحكومة والنُخب السياسية والفكرية أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية لا يمكن التنصل منها ، فحماية الدولة لا تتحقق بالشعارات ، ولا تُصان التضحيات بالخطابات الموسمية ، بل بإقامة نظام حكُم قادر على ترسيخ الثقة بين المواطن ومُؤسسات الدولة ، وإبعاد الملفات الوطنية الكُبرى عن الصراعات السياسية الضيقة .

إن الدماء التي أُريقت في سبايكر يجب أن تكون دافعاً لتغليب منطق الدولة على منطق الانقسام ، ومنطق المُواطنة على كُل أشكال الفرز والتصنيف التي يستثمر فيها المُتطرفون لتغذية مشاريعهم الهدامة .

لقد أثبتت التجارب أن الإرهاب لا ينمو في البيئات الآمنة سياسياً وأجتماعياً ، بل يستغل مناطق الضعف والفراغ والانقسام ، ولذلك فإن مُواجهة الفكر المُتطرف لا تقتصر على الجهد الأمني والعسكري ، على أهميتهما ، وإنما تشمل بناء منظومة تعليمية وثقافية وإعلامية تعزز قيم المواطنة والتعايش وأحترام القانون ، فالمعركة الحقيقية مع الإرهاب تبدأ من حماية العقل قبل حماية الحدود ، ومن ترسيخ الهوية الوطنية الجامعة قبل مواجهة التنظيمات المسلحة .

واليوم العراق يقف أمام تحديات داخلية وإقليمية مُتشابكة حيثُ تبقى ذكرى سبايكر رسالة تحذير بليغة من مخاطر التراخي في بناء الدولة ، فالأوطان لا تُحمى بالارتجال ، ولا تُدار بردود الأفعال ، وإنما بالرؤية والتخطيط والمُؤسسات ، وإذا كانت دماء شُهداء سبايكر قد أسهمت في توحيد العراقيين في مواجهة أخطر تهديد وجودي واجه دولتهم الحديثة ، فإن الوفاء الحقيقي لهم يتمثل في منع تكرار الظروف التي سمحت بوقوع تلك المأساة .

أخيراً وليس آخراً .. إن الحكومة الحالية والقوى السياسية العراقية مُطالبة بالنظر إلى سبايكر بوصفها درساً وطنياً لا ذكرى عابرة ، فتعزيز هيبة الدولة ، وترسيخ العدالة ، وحصر السلاح بيد المُؤسسات الرسمية ، وتطوير القُدرات الأمنية والاستخبارية ، ومكافحة الفساد الذي يضعف مُؤسسات الدولة ، كُلها خطوات تُمثل جُزءاً من الوفاء العملي لتضحيات الشهداء ، فالعراق لا يحتاج إلى إدارة الأزمات بقدر حاجته إلى مُعالجة جذورها ، ولا يحتاج إلى أستذكار المآسي فقط ، بل إلى بناء دولة تجعل تكرارها أمراً مستحيلاً .

الرحمة والخلود لشُهداء سبايكر الأبرار ، ولجميع شهداء العراق الذين رووا بدمائهم الطاهرة أرض الوطن ، وستبقى هذه الفاجعة شاهداً على وحشية الإرهاب من جهة ، وعلى ضرورة بناء دولة قوية وعادلة من جهة أخرى ، دولة تتعلم من آلامها لتصنع مستقبلاً أكثر آماناً وأستقرار لأبنائها …!