الجمعة - 03 يوليو 2026

هُدنة على الورق: وحربٌ تبحث عن جبهة جديدة..!

منذ 4 أسابيع
الجمعة - 03 يوليو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

مُنذ الإعلان عن التفاهمات التي أوقفت المُواجهة المُباشرة الأخيرة بين الولايات المتحدة وأسرائيل من حهة وإيران من جهة أخرى ، ساد أنطباع لدى كثير من المُراقبين بأن المنطقة تتجه نحو مرحلة من التهدئة النسبية ، وأن جميع الجبهات المُرتبطة بهذا الصراع ستشهد أنخفاضاً في مُستوى التصعيد ، غير أن أستمرار الضربات الإسرائيلية في جنوب لبنان ، وتواصل العمليات العسكرية بوتيرة مُتصاعدة رغم الحديث عن التهدئة ، يكشف أن ما جرى لم يكن نهاية للأزمة بقدر ما كان إعادة تنظيم لمسرحها وإعادة توزيع لأدواتها .

المشهد الحالي يوحي بأن الشرق الأوسط دخل مرحلة أكثر تعقيداً من مُجرد الحرب أو السلام ، فالتفاهمات التي أوقفت التصادم المُباشر بين واشنطن وطهران لم تعالج جذور الصراع الإقليمي ، ولم تُنهِ الملفات المُتراكمة المُرتبطة بالنفوذ والأمن والردع وتوازنات القوة ، ولهذا فإن الهدوء الذي أعقب المُواجهة لم يكن هدوءاً أستراتيجياً دائماً ، بل هُدنة مُؤقتة تهدف إلى منع الانفجار الشامل دون إزالة أسباب الاشتعال .

إسرائيل تبدو اليوم أمام مُعادلة مُختلفة عن تلك التي سادت في الأسابيع الماضية ، فمن جهة تُدرك أن الولايات المتحدة لا ترغب في توسيع دائرة الحرب إلى مُستوى يهُدد أستقرار المنطقة أو يجرها إلى مُواجهة مَفتوحة جديدة خاصة في ظل التحديات الدولية والاقتصادية التي تُواجهها ، ومن جهة أخرى ترى أن أستمرار الضغط العسكري في الساحة اللبنانية يُمثل جُزءاً من أستراتيجيتها الأمنية الهادفة إلى منع تشكل بيئة تعتبرها تهديداً طويل الأمد على حدودها الشمالية .

هذا التباين بين الرؤية الأمريكية والرؤية الإسرائيلية لا يعني وجود خلاف جذري بين الطرفين ، لكنه يعكس أختلافاً في ترتيب الأولويات ، فواشنطن تنظر إلى الاستقرار الإقليمي بأعتباره ضرورة لحماية مصالحها الكُبرى .

بينما تنظر تل أبيب إلى الوقائع الميدانية المُحيطة بها من زاوية أمنية أكثر مباشرة ، ولذلك فإن أستمرار العمليات في جنوب لبنان يُمكن قراءته بوصفه محاولة إسرائيلية للإبقاء على مستوى مُعين من الضغط العسكري ، حتى في ظل وجود تفاهمات أوسع تهدف إلى احتواء التصعيد .

في المقابل ، تنظر إيران إلى أي أستمرار للعمليات العسكرية في لبنان أو أي ساحة أخرى مُرتبطة بمحور حُلفائها بأعتباره أختباراً حقيقياً لجدية التهدئة المُعلنة ، ومن هنا يُمكن فهم الرسائل الإيرانية المُتكررة التي تُؤكد أن وقف المُواجهة لا ينبغي أن يكون أنتقائياً أو مُقتصراً على جبهة دون أخرى ، فطهران تسعى إلى تثبيت مُعادلة مفادها أن الأمن الإقليمي مُترابط ، وأن أستمرار الضغط على إحدى الساحات قد يؤدي إلى إعادة تنشيط دوائر التوتر في ساحات أخرى .

لكن ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة أن جميع الأطراف رغُم الخطابات الحادة والتلويح بالقوة ، تبدو حريصة على البقاء دون عتبة الحرب الشاملة .

فإسرائيل تُدرك أن فتح مُواجهة إقليمية واسعة قد يفرض عليها أثماناً أمنية وأقتصادية مرتفعة ومُدمره .

وإيران تُدرك أن الصِدام المُباشر طويل الأمد يحمل أعباءاً كبيرة على الداخل الإيراني وعلى حساباتها الاستراتيجية .

أما الولايات المتحدة ، فلا تبدو راغبة في الانخراط في حرب جديدة تستنزف مواردها وتُعيد خلط أولوياتها العالمية .

لهذا فإن المنطقة تعيش اليوم حالة يمُكن وصفها ب “إدارة للتوتر” أكثر من كونها سعياً للحسم ، الضربات المحدودة ، والردود المحسوبة ، والرسائل العسكرية المُتبادلة ، كُلها تشير إلى أن الأطراف تُحاول الحفاظ على توازن دقيق بين إظهار القوة وتجنب الانفجار .
إنها مُعادلة تقوم على الردع المُتبادل أكثر مما تقوم على تحقيق أنتصار نهائي .

أما الدول العربية المُحيطة ، وفي مقدمتها العراق ولبنان ودول الخليج ، فهي تبقى الأكثر عرضة لتداعيات هذا المشهد ، فالجغرافيا السياسية تجعلها تقع في قلب منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية ، بينما لا تملك دائماً القُدرة على التحكم بمسار الأحداث ، ولهذا فإن أي خطأ في الحسابات أو أي تصعيد غير محسوب قد يُحول أراضي هذه الدول إلى ساحات ضغط ورسائل مُتبادلة بين القوى المُتنافسة .

في تقديري الشخصي ، إن أخطر ما يواجه المنطقة اليوم ليس أحتمال أندلاع حرب شاملة فورية ، بل تحول حالة التوتر الدائم إلى واقع طبيعي ومقبول ، فعندما تعتاد الأطراف على تبادل الضربات المحدودة والتهديدات المُستمرة يصبح هامش الخطأ أوسع وأحتمالات سوء التقدير أكبر والتاريخ السياسي للمنطقة مليء بأزمات بدأت بأعتبارها رسائل محدودة ثم تحولت إلى صراعات لم يكن أحد يتوقع حجمها .

وفي الختام .. تبدو المُواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أقرب إلى حرب باردة إقليمية ذات أدوات ساخنة ليست حرباً تقليدية تُحسم بالجيوش ، وليست سلاماً مُستقراً تُنهيه الاتفاقات ، إنها صراع طويل على النفوذ والردع وإعادة رسم موازين القوة ، وما يجري في جنوب لبنان اليوم قد يكون دليلاً على أن الهدنة أوقفت إطلاق النار في بعض الجبهات ، لكنها لم تُنهِ أسباب الصراع ، لذلك فإن السؤال الأهم لم يعد من يملك القُدرة على التصعيد ، بل من يملك القُدرة على منع التصعيد من الخروج عن السيطرة ، فنجاح الردع لا يُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق ، بل بقدرة الأطراف على إبقاء المنطقة خارج دائرة الحرب الكُبرى وهي مُهمة وأكثر صعوبة مع مرور كُل يوم …!