الجمعة - 03 يوليو 2026
منذ 4 أسابيع
الجمعة - 03 يوليو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

في كُل المُجتمعات التي تسعى إلى بناء دولة قوية وعادلة ، لا تُعد الحقيقة ضحيةً للكذب وحده ، بل كثيراً ما تكون ضحيةً للإيمان الأعمى بمن يملك السُلطة أو القوة أو النفوذ ،

فحين يتوقف الإنسان عن التسائل والمُراجعة ، ويمنح ثقته المُطلقة لأي جهة تمتلك المنصب أو الشهرة أو التأثير ، فإنه يفتح الباب أمام الأخطاء لتتحول إلى حقائق مُسلم بها ، وأمام الإخفاقات لتُقدم على أنها إنجازات ، لذلك كان جوهر التفكير الحر قائماً على النقد المسؤول لا على الطاعة المُطلقة ، لأن العقل الذي يتخلى عن حقه في التفكير المستقل يفقد أهم أدواته في التمييز بين الحقيقة والوهم .

في العراق ، تكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في ظل التحديات المُتراكمة التي واجهتها الدولة خلال العقود الماضية ، فبعض الأزمات لم تكن ناتجة عن أخطاء في السياسات أو القرارات فحسب ، بل أرتبطت أيضاً بضعف ثقافة التقييم والمراجعة الموضوعية للأداء العام ،

فالدول الحديثة تتقدم عندما تُدار شؤونها بروح النقد البنّاء والتقويم المستمر ، لا بالاكتفاء بالمُسلمات أو تجنب طرح الأسئلة الضرورية ، لذلك يبقى الاحتكام إلى الحقائق والمُؤشرات والنتائج الفعلية أساساً لأي عملية إصلاح جادة ، لأن نجاح المُؤسسات يُقاس بما تحققه من إنجازات وما تقدمه من حلول ، لا بما يُحيط بها من أنطباعات أو تصورات مُسبقة .

كما أن أحترام حرية التعبير لا يتجلى عندما نستمع إلى من يوافقنا الرأي ، بل عندما نحمي حق المُختلف في التعبير عن موقفه ضمن إطار القانون والاحترام المتبادل ، فالمجتمعات الحية تتقدم بتعدد الآراء ، وتنافس الأفكار ، بينما تتراجع حين تتحول إلى فضاءات مغلقة لا يُسمع فيها إلا صوت واحد .

إن القُدرة على الاستماع إلى رأي لا نتفق معه دون السعي إلى إسكاته أو تخوين صاحبه تُمثل إحدى أهم علامات النضج الفكري والسياسي ، وهي قيمة ما زال العراق بحاجة ماسة إلى ترسيخها في خطابه العام ، وحياته السياسية .

وفي خضم التحديات التي يواجهها العراقيون ، قد تبدو بعض المُشكلات عصية على الحل ، وبعض الانقسامات أعمق من أن تُردم ، لكن التجارب الإنسانية تؤكد أن كثيراً من القضايا لا تُعالج بالاندفاع أو فرض الإرادة بالقوة ، بل بالنضج الذي تصنعه الخبرة ، وتراكم التجارب مع مرور الزمن ، فالوقت لا يُغير الوقائع دائماً ، لكنه يُغير طريقة فهمنا لها ، ويمنحنا قُدرة أكبر على رؤية الصورة كاملة بعيداً عن الانفعال اللحظي .

لذلك فإن مُستقبل العراق لا يتوقف على أمتلاك الموارد أو رفع الشعارات بقدر ما يتوقف على ترسيخ وعيٍ نقدي حُر يحترم الحقيقة ، ويُعلي من قيمة الحوار ، ويؤمن بأن بناء الدولة يبدأ عندما يمارس المواطن حقه في التفكير والسؤال والمشاركة الواعية في صناعة المستقبل .

أخيراً وليس آخراً .. إن العراق اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر حاجته إلى ترسيخ ثقافة التفكير النقدي ، وأحترام حُرية التعبير ، وتعزيز مبدأ المساءلة والمحاسبة ، فبناء الدولة لا يقوم على تقديس الأشخاص أو الأفكار ،

بل على مُراجعة الأداء والاحتكام إلى الحقائق والنتائج ، وحين يصبح السؤال حقاً مشروعاً ، والنقد أداةً للإصلاح ، والاختلاف مساحةً للحوار لا سبباً للخصومة ، تتعزز الثقة بين الدولة والمُجتمع ، وتتسع فُرص التقدم والاستقرار ، فالأوطان تتعثر عندما يُعطل العقل ، لكنها تستعيد عافيتها حين ينتصر الوعي على التعصب ، والحقيقة على الوهم ، والمصلحة الوطنية على المصالح الضيقة …!