الخليج تحت وهج الصواريخ .؟
طه حسن الأركوازي ||

لم تعد المُواجهة بين إيران والولايات المتحدة تقتصر على الرسائل السياسية والمناورات الدبلوماسية ، بل باتت تقترب من أشتباك مفتوح تتضح ملامحه فوق مياه الخليج وممراته الاستراتيجية ، فالتطورات الأخيرة لا تبدو مُجرد تبادل للضربات ، بل جُزءاً من صراع أوسع يتعلق بموازين القوة والنفوذ الإقليمي ومستقبل النظام الأمني في الشرق الأوسط .
عاد الخليج إلى قلب المُواجهة بعدما تحولت سماؤه إلى مسرح لأعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة ، في مشهد يعكس تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن ، ورغم أختلاف الروايات حول نتائج العمليات ، فإن المُؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من أختبار الإرادات ، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والمفاوضات السياسية .
تعتمد الولايات المتحدة منذ سنوات سياسة الضغط على إيران عبر العقوبات والعزل المالي والتحالفات الإقليمية ، بينما تسعى طهران إلى تعزيز ردعها بالاعتماد على موقعها الجغرافي وقُدراتها الصاروخية ونفوذها الإقليمي ، ومع كُل تصعيد يتضح أن الطرفين لا يرغبان في حرب شاملة ، لكنهما يستخدمان القوة لفرض قواعد أشتباك تخدم مصالحهما .
فالأحداث الأخيرة تكشُف عن سعي إيران إلى تأكيد قُدرتها على الرد على أي أستهداف مُباشر لمصالحها ، مقابل حرص الولايات المُتحدة على إظهار قُدرتها على أحتواء التهديدات ومنع توسع المُواجهة إلى صراع إقليمي واسع .
غير أن فهم المشهد لا يكتمل من الزاوية العسكرية وحدها ، فإيران تواجه منذ سنوات ضغوطاً أقتصادية مُتراكمة ، وحصار وعقوبات واسعة تستهدف تقليص قُدرتها على المُناورة وإجبارها على تقديم تنازلات في ملفاتها النووية والإقليمية .
وفي المقابل ، ترى واشنطن أن أستمرار هذا الضغط يُمثل الأداة الأكثر فاعلية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية دون الانزلاق إلى حرب شاملة ، غير أن هذه المُقاربة تصطدم بعقيدة سياسية إيرانية تقوم على رفض الرضوخ للضغوط الخارجية مهما بلغت كُلفتها ، وهو ما يجعل الصراع يتجاوز حدود المُواجهة العسكرية المُباشرة ليصبح جُزءاً من معركة أوسع تتداخل فيها حسابات النفوذ والاقتصاد والطاقة وإعادة رسم موازين القوة في المنطق .
كما يرتبط التصعيد بالدور الإسرائيلي المُتنامي ، إذ تعتبر إسرائيل البرنامج النووي الإيراني وتطور قُدراته العسكرية تهديداً مُباشراً لأمنها ، وتدفع نحو أستمرار سياسة الردع ، بينما تنظر طهران إلى التحالف الأميركي الإسرائيلي بأعتباره جبهة تستهدف تقليص نفوذها ومُحاصرتها .
ورغم الضجيج العسكري لا تشير المُؤشرات إلى رغبة أي طرف في الانزلاق إلى حرب شاملة نظراً لكُلفتها الباهظة ونتائجها المُدمره على أسواق الطاقة والممرات البحرية وأستقرار أقتصادات المنطقة ، فضلاً عن أن تجارب الشرق الأوسط أثبتت أن الحروب الكبرى تخلّف أزمات طويلة الأمد .
لذلك تبدو المنطقة عالقة بين مسارين :
إما تصعيد عسكري محسوب يُستخدم لتبادل الرسائل وتعزيز المواقف التفاوضية .
أو أتصالات سياسية تهدف إلى منع الانفجار الكبير .
وبينهما يبقى الخليج ساحة أختبار لقُدرة الأطراف على إدارة الصراع دون فقدان السيطرة عليه .
إن ما يجري اليوم أقرب إلى حرب باردة بنسخة شرق أوسطية أكثر تعقيداً ، “فإيران والولايات المتحدة وإسرائيل” تُدرك أن الحسم العسكري الكامل غير واقعي ، كما أن التراجع الكامل غير مطروح ، لذا يستمر الصراع عبر العقوبات والضغوط الاقتصادية والعمليات الاستخبارية والضربات المحدودة .
وفي ظل هذا الواقع ، سيظل مُستقبل التوتر مرهوناً بقُدرة الأطراف على المُوازنة بين الردع والاحتواء ، فأحتمالات التصعيد قائمة ما دامت الملفات الخلافية الكُبرى ، وفي مقُدمتها البرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي وترتيبات الأمن في الخليج ، بلا تسويات واضحة ومع ذلك ، فإن تشابك المصالح الاقتصادية والحسابات الدولية يجعل الاحتواء أكثر ترجيحاً من الانفجار الشامل ، وإن ظل هشاً وقابلاً للاهتزاز.
في الختام .. أن المنطقة تقف عند مفترق حساس ، فلا الحرب الكُبرى تبدو حتمية ، ولا السلام الشامل يلوح في الأفق القريب ، وبين هذين الاحتمالين سيستمر الشرق الأوسط في العيش على إيقاع توترات متقطعة وضغوط مُتبادلة ، فيما يبقى الخليج مركز الثقل في مُعادلة الصراع .
أما مُستقبل السنوات المُقبلة فسيتحدد بمدى نجاح القوى المتنافسة في نقل المواجهة من ساحة الصواريخ إلى طاولة التفاهمات ، لأن أي إخفاق في إدارة هذا التوازن قد يُعيد رسم خرائط النفوذ والقوة في الشرق الأوسط القادم ، ويُحدد من يمتلك حق رسمها فيه …!




