الشرق الأوسط على حافة الأنفجار .؟
طه حسن الأركوازي ||

لم تعد الأزمة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى مجرد خلافات سياسية أو مُواجهات عسكرية مُتفرقة ، بل تحولت إلى صراع مُركب تُستخدم فيه أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري والدبلوماسي والنفسي في آنٍ واحد ، وما تشهده المنطقة اليوم ليس حربا شاملة بالمعنى التقليدي ، ولا سلاماً مُستقراً بالمعنى السياسي ، بل حالة وسطية يمكن وصفها بأنها صراع مفتوح تحت سقف الحرب المُؤجلة .
إيران تجد نفسها أمام بيئة إقليمية مُعقدة تتزايد فيها الضغوط من أكثر من أتجاه ، فالعقوبات الاقتصادية المُستمرة تستنزف قدراتها المالية ، والضربات العسكرية الإسرائيلية المُتكررة على جنوب لبنان تستهدف تقليص نفوذها الإقليمي ، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى إبقاء طهران ضمن مُعادلة الاحتواء دون الانزلاق إلى مُواجهة مُباشرة واسعة قد تُهدد مصالحها في المنطقة .
وفي المقابل ، تدرك القيادة الإيرانية أن التراجع الكامل أمام هذه الضغوط قد يُفسر بأعتباره ضُعفاً أستراتيجياً لذلك تحاول المُحافظة على توازن دقيق بين الردع وتجنب الحرب الشاملة .
في هذا السياق ، تبدو التهديدات المُتبادلة جُزءاً من معركة إرادات أكثر من كونها مُؤشرات حتمية على أندلاع حرب وشيكة ، فكُل طرف يسعى إلى رفع كُلفة قرارات الطرف الآخر وإجباره على إعادة حساباته .
إسرائيل تريد إضعاف مصادر التهديد المُحيطة بها ، ومنع تشكل بيئة أمنية مُعادية على حدودها ، بينما ترى إيران أن أي تراجع في نفوذها الإقليمي سيؤدي إلى أختلال موازين القوة لمصلحة خصومها ، وهو ما يجعل مساحة المُناورة تضيق يوماً بعد آخر .
المشكلة الأساسية أن المنطقة باتت تعيش حالة تشابك غير مسبوقة بين الملفات ، فما يحدث في لبنان لم يعد شأناً لبنانياً خالصاً ، وما يجري في غزة لا يقتصر على حدود القطاع ، كما أن أي تصعيد ضد إيران لا يمكن فصله عن حسابات الأمن الإقليمي ،
وأسواق الطاقة والممرات البحرية الدولية ، لذلك فإن أي خطأ في التقدير أو أي قرار مُتسرع قد يدفع المنطقة نحو مرحلة أكثر خطورة مما يتوقعه الجميع .
ورغم حدة الخطاب السياسي والعسكري ، لكن الوقائع تُشير إلى أن جميع الأطراف تدرك حجم الخسائر التي قد تترتب على المواجهة المبُاشرة .
فالولايات المتحدة لا ترغب في حرب جديدة تستنزف مواردها ، وتربك أولوياتها الدولية ، وإسرائيل تدرك أن أي حرب إقليمية واسعة ستفرض عليها أثماناً أمنية وأقتصادية كبيرة ، فيما تعلم إيران أن المُواجهة المفتوحة قد تضعها أمام تحديات داخلية وخارجية بالغة التعقيد ، ولهذا تبدو جميع الأطراف وكأنها تتحرك على حافة الهاوية دون أن ترغب فعلياً في السقوط فيها .
إن المشهد الراهن يوحي بأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الحرب الباردة الإقليمية ، حيث تتراجع أحتمالات التسويات الشاملة مُقابل تصاعد سياسات الضغط والاستنزاف المّتبادل ، فالصراع لم يعد يدور حول معركة واحدة أو ملف واحد ، بل حول إعادة رسم موازين النفوذ والقوة في الشرق الأوسط لعقود مُقبلة .
في المُحصلة ، يمكن القول إن مُستقبل المنطقة لن يتحدد بقدرة أي طرف على تحقيق أنتصار عسكري حاسم ، بل بقُدرته على إدارة الصراع دون أن يتحول إلى حرب شاملة ، فالحرب الباردة الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل تبدو اليوم أقرب إلى صراع إرادات طويل الأمد ، تتبدل فيه الأدوات وتتغير ساحات المواجهة ، لكن الهدف يبقى واحداً هو فرض توازن جديد للقوة بأقل كُلفة مُمكنة .
أما الخطر الحقيقي ، فهو أن تستمر جميع الأطراف في أختبار حدود بعضها البعض إلى أن يقع الخطأ الذي لا يستطيع أحد أحتواء نتائجه …!




