الأحد - 05 يوليو 2026

دولة المليارات بين عجز المحطات وهيمنة المولدات..!

منذ شهر واحد
الأحد - 05 يوليو 2026

قاسم الغراوي ||

رئيس مركز انكيدو للدراسات

 

 

 

الى دولة رئيس الوزراء علي الزيدي المحترم
منذ أكثر من عقدين تحولت أزمة الكهرباء في العراق من “مشكلة خدمية” إلى رمزٍ لفشل الدولة في إدارة واحدة من أغنى الدول النفطية في العالم.

بلاد تمتلك النفط والغاز والمياه والموقع الجغرافي، لكنها ما زالت تعيش صيفاً ملتهباً تحت رحمة المولدات الأهلية وصفقات الطوارئ والوعود الحكومية المتكررة.

المفارقة الأكثر إيلاماً أن العراق لم يكن بلداً فقيراً بالطاقة، بل كان من أوائل الدول العربية التي امتلكت بنية كهربائية متقدمة نسبياً قبل الحروب والعقوبات .

ما بعد 2003 فتح الباب أمام انهيارٍ مركب: فساد، سوء إدارة، تضارب سياسي، تدخلات خارجية، وفشل استراتيجي مزمن.

تشير تقارير برلمانية وإعلامية إلى أن ما أُنفق على قطاع الكهرباء منذ 2005 تجاوز (عشرات المليارات من الدولارات)، مع تقديرات وصلت إلى 81 مليار دولار، دون تحقيق الاكتفاء الحقيقي.

أولًا: لماذا فشلت الكهرباء في العراق؟
1- الفساد (الثقب الأسود)
السبب الأكثر حضوراً في كل التحقيقات هو الفساد المالي والإداري.
فالكثير من العقود وُقعت بأسعار ضخمة، وبعضها لم يُنفذ أصلاً أو نُفذ بجودة متدنية، فيما تحولت الوزارة إلى ساحة للمحاصصة الحزبية أكثر من كونها مؤسسة فنية.

رئيس الوزراء العراقي الأسبق مصطفى الكاظمي صرح سابقاً بأن الأموال التي أُنفقت على الكهرباء “كانت تكفي لبناء شبكة حديثة”، لكن الفساد والهدر حالا دون ذلك.
وأصبحت وزارة الكهرباء في نظر العراقيين “وزارة استنزاف مالي” أكثر من كونها وزارة إنتاج.

2- الاعتماد على الغاز الإيراني
العراق ينتج النفط بكميات هائلة، لكنه يحرق كميات ضخمة من الغاز المصاحب بدل استثماره.
ولهذا أصبح يعتمد على الغاز الإيراني لتشغيل محطات الكهرباء.

هذا الاعتماد جعل ملف الكهرباء رهينة:
• العقوبات الأمريكية على إيران.
• التوترات السياسية.
• وتأخر دفع المستحقات المالية.
وتشير تقارير حديثة إلى أن الغاز الإيراني يغطي قرابة ثلث إنتاج الكهرباء العراقي، وأي انقطاع يؤدي لخسارة آلاف الميغاواط فوراً.

3- تهالك الشبكات والضائعات
حتى عندما ترتفع ساعات الإنتاج تضيع كميات كبيرة من الطاقة بسبب:
• شبكات نقل قديمة.
• التجاوزات.
• السرقة.
• والضائعات الفنية وغير الفنية.
أي أن المشكلة ليست فقط “إنتاجاً”، بل “نقلاً وتوزيعاً وإدارة”.

4- النمو السكاني والتغير المناخي
العراق يستهلك اليوم كهرباء أكثر بكثير من السابق:
• تضاعف عدد السكان.
• توسع المدن.
• انتشار أجهزة التبريد.
• وارتفاع درجات الحرارة القياسية.
في المقابل، بقيت البنية التحتية أبطأ من حجم الطلب الحقيقي.

ثانيًا: وعود وزراء الكهرباء
منذ 2003 تعاقب على وزارة الكهرباء عدد كبير من الوزراء، وكل وزير جاء بخطة “حسم نهائي للأزمة”، لكن الأزمة بقيت تتكرر كل صيف.
من أبرز الأسماء التي ارتبطت بالملف:
• الشهرستاني
• أيهم السامرائي
• كريم وحيد
• عبد الكريم عفتان
• قاسم الفهداوي
• لؤي الخطيب
• ماجد حنتوش
• زياد علي فاضل

كل مرحلة حملت شعارات متشابهة:
• “الصيف القادم سيكون الأفضل”.
• “نهاية أزمة الكهرباء”.
• “إضافة آلاف الميغاواط”.
• “مشاريع استراتيجية”.
• “ربط إقليمي”.
• سنصدر الكهرباء

لكن المواطن بقي يدفع:
1. فاتورة الدولة.
2. وفاتورة المولد.
3. وأحياناً منظومات الطاقة الشمسية الخاصة.
ولهذا ترسخت قناعة شعبية بأن الكهرباء في العراق ليست أزمة طارئة، بل “اقتصاد موازٍ” تعيش عليه شبكات مصالح سياسية وتجارية.

ثالثاً: المولدات الأهلية (الدولة البديلة)
في أغلب المدن العراقية أصبحت المولدات الأهلية جزءاً من الحياة اليومية، بل إن بعض الأحياء تعتمد عليها أكثر من اعتمادها على الكهرباء الوطنية.

وهنا تظهر مفارقة خطيرة وهي ان الدولة لم تعد المزود الوحيد للطاقة، بل نشأت “دولة كهرباء موازية” يديرها أصحاب المولدات وتدر مليارات الدنانير سنوياً.

هذا الواقع خلق:
• طبقة اقتصادية مستفيدة من استمرار الأزمة.
• وتطبيعاً اجتماعياً مع الفشل الحكومي.
حتى أن بعض العراقيين باتوا يقيسون “استقرار الكهرباء” بعدد أمبيرات المولد لا بعدد ساعات التجهيز الوطني.

رابعاً: هل هناك تدخل خارجي لإبقاء الأزمة؟
هذا السؤال يُطرح بقوة داخل العراق، وهناك من يربط أزمة الكهرباء بعوامل إقليمية ودولية، خصوصاً بسبب:
• العقوبات الأمريكية على إيران.
• تعطيل بعض اتفاقات الغاز.
• التنافس على سوق الطاقة العراقي.
• وربط العراق اقتصادياً بالخارج بدل تحقيق الاكتفاء الذاتي.

تقارير دولية تحدثت فعلاً عن عراقيل واجهت مشاريع استيراد الغاز عبر إيران بسبب العقوبات الأمريكية، لكن اختزال الأزمة كلها بـ”المؤامرة الخارجية” لا يبدو دقيقاً.
فالواقع يقول إن:
• الفساد الداخل.
• غياب التخطيط.
• المحاصصة.
• وسوء الإدارة.

هي الأسباب الأكثر تأثيراً واستمراراً.
التدخل الخارجي قد يعقّد الأزمة، لكنه لم يكن ليصنعها بهذا الحجم لو كانت هناك دولة قوية ومؤسسات فعالة.

خامساً: الطموح الممكن.
هل يمكن حل الأزمة؟
نعم، لكن ليس بالوعود الموسمية.
فالحل الحقيقي يحتاج إلى:
• استثمار الغاز المصاحب بدل حرقه.
• تحديث شبكات النقل.
• إنهاء المحاصصة داخل الوزارة.
• تنويع مصادر الطاقة.
• والتوجه الجدي نحو الطاقة الشمسية.

العراق يملك واحداً من أعلى معدلات السطوع الشمسي في المنطقة ما يجعله مؤهلاً ليكون قوة إقليمية بالطاقة الشمسية لو توفرت الإرادة السياسية.
كما أن مشاريع استثمار الغاز مع شركات عالمية قد تقلل الاعتماد الخارجي مستقبلاً.

أزمة الكهرباء في العراق ليست مجرد “خلل فني”، بل صورة مكثفة لأزمة الدولة العراقية نفسها.
فحين تعجز دولة نفطية عن توفير الكهرباء لمواطنيها بعد إنفاق عشرات المليارات، فإن المشكلة لا تتعلق بالمحطات وحدها، بل بمنظومة الحكم والإدارة والقرار.
وبينما تتكرر الوعود كل صيف، يبقى المواطن العراقي عالقاً بين:
• حرّ المناخ.
• وحرّ السياسة.
• وضجيج المولدات.