الجمعة - 03 يوليو 2026
منذ شهر واحد
الجمعة - 03 يوليو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

منذ تصاعد المواجهة بين إيران من جهة ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى ، بدا أن المنطقة تدخل مرحلة مُختلفة من الصراع ، مرحلة لا تُقاس فيها النتائج بعدد الغارات أو حجم الدمار فحسب، بل بقُدرة كُل طرف على فرض إرادته السياسية وتحقيق أهدافه الاستراتيجية ، وفي هذا السياق تبدو الصورة أكثر تعقيداً من الروايات المُتداولة التي تتحدث عن أنتصار حاسم لهذا الطرف أو هزيمة كاملة لذاك .

ففي الحسابات العسكرية التقليدية تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقاً تقنياً وأستخبارياً وجوياً كبيراً ، إلا أن التجارب الحديثة أثبتت أن التفوق العسكري لا يضمن دائماً تحقيق الأهداف السياسية ، فالحروب المُعاصرة تُحسم بقُدرة الدول على الصمود ، وإدارة الاستنزاف ، والمحافظة على تماسكها الداخلي ، بقدر ما تُحسم في ساحات القتال .

ومن خلال مُتابعة مسار الأحداث الأخيرة يُمكن القول إن أحد أبرز المُؤشرات الجديرة بالملاحظة يتمثل في أن الضغوط العسكرية والاقتصادية المُتراكمة لم تنجح حتى الآن في إحداث التحول الاستراتيجي الذي كانت بعض الدوائر الغربية والإسرائيلية تتطلع إليه داخل إيران ، فما زال النظام السياسي قائماً وتواصل المُؤسسات الأمنية والعسكرية أداء مهامها ، كما لم تبرز مُؤشرات حاسمة تدل على أنهيار داخلي أو تفكك في بنية الدولة ، على الرغم من حجم الضغوط والعقوبات والتهديدات المستمرة .

وفي المقابل ، تظل تقييمات نتائج هذا الصراع محل تباين بين المراقبين والمحللين نظراً لتعدد أبعاده السياسية والعسكرية والاقتصادية وتشابك مصالح الأطراف المنخرطة فيه ، كما أن التطورات المُتسارعة على الأرض تجعل من الصعب إصدار أحكام نهائية أو قاطعة بشأن مكاسب أو خسائر أي طرف ، الأمر الذي يستدعي تناول المشهد بقدر من الموضوعية والتوازن ، مع الأخذ في الاعتبار تعقيدات الواقع الإقليمي والدولي المحيط به.

كما كشفت التطورات الأخيرة عن حقيقة أخرى تتصل بمُستقبل المنطقة ، إذ لم تعد المُواجهة محصورة ضمن حدود جغرافية ضيقة ، بل تحولت إلى صراع يتعلق بموازين القوة والنفوذ الإقليمي .

وبناءاً على ذلك ، أصبحت الساحات السياسية والاقتصادية والأمنية مُترابطة على نحو غير مسبوق ، وأضحى أي تصعيد جديد ينطوي على مخاطر تمتد من منطقة الخليج إلى شرق البحر المتوسط ، مروراً بالممرات البحرية الحيوية وأسواق الطاقة العالمية .

وفي ضوء ما تقدم ، يبدو أن جميع الأطراف قد وصلت إلى قناعة غير مُعلنة مفادها أن الحسم العسكري الكامل أصبح خياراً بالغ الكُلفة وغير مضمون النتائج ، ولهذا السبب تتصدر الضغوط السياسية والمفاوضات غير المُباشرة المشهد في بعض الأحيان ، في حين تبقى الأدوات العسكرية حاضرة بوصفها وسائل للضغط والردع أكثر من كونها مساراً نهائياً للحسم .

إن المشهد الراهن لا يشير إلى نهاية الصراع بقدر ما يدل على دخوله مرحلة جديدة أكثر تعقيداً ، فالولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى أحتواء النفوذ الإيراني والحد من قُدراته ، بينما تعمل إيران على ترسيخ موقعها الإقليمي ، ومنع خصومها من فرض مُعادلات جديدة عليها .

وبين هذين الهدفين تستمر حالة من الصراع المُمتد تتخللها جولات من التصعيد كُلما تعثرت المسارات السياسية أو تصاعدت أعتبارات القوة .

في الختام .. إن مُستقبل هذه المُواجهة لن يُحسم في ساحة عسكرية مُنفردة ، بل في قُدرة كُل طرف على إدارة عامل الزمن وأستيعاب الكُلفة ، وبناء التحالفات ، وعليه قد لا يكون السؤال الأهم اليوم هو من أنتصر ومن خسر ، بل من يمتلك القدرة على الصمود لفترة أطول ، ومن يستطيع تحويل مكاسبه التكتيكية إلى واقع سياسي مستدام ، وعند هذه النقطة تحديداً ستُتحدد ملامح الشرق الأوسط …!