الجمعة - 03 يوليو 2026
منذ شهر واحد
الجمعة - 03 يوليو 2026

طه حسن الأركوازي ||

Screenshot

 

لم يعد الحديث عن تحوّل العراق إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية مُجرد توصيف إعلامي أو قراءة سياسية عابرة ، بل بات واقعاً تفرضه طبيعة الأحداث المُتسارعة في المنطقة، وحجم التداخل الأمني والاستخباري الذي يحيط بالبلاد من كُل أتجاه ،

فالمُعطيات التي تداولتها تقارير وتحليلات دولية بشأن وجود تحركات أو مواقع ذات طابع أمني وأستخباري داخل الأراضي العراقية ، تكشف حجم التعقيد الذي يواجهه العراق في حماية سيادته وضبط بيئته العملياتية ، خصوصاً في ظل التصعيد المُتواصل بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ، وإيران من جهة أخرى .

المشكلة لا تكمن فقط في صحة هذه المعلومات من عدمها ، بل في البيئة التي سمحت أساساً بتحوّل العراق إلى مساحة رخوة قابلة للاختراق والتوظيف المتبادل ، فحين تصبح الأجواء العراقية ممراً دائماً للطائرات والصواريخ ، تتحول الصحارى الشاسعة إلى مناطق يصعب ضبطها بالكامل ، فإن ذلك يعكس أزمة أعمق من مجرد خرق أمني عابر ، إنها أزمة تتعلق بطبيعة إدارة الدولة لملف السيادة والأمن الوطني في ظل التشابكات الإقليمية والدولية .

وقد أزدادت حساسية هذا الملف بعد تداول أتهامات ومزاعم إعلامية صادرة عن بعض المصادر الخليجية ، لاسيما في الكويت والسعودية والإمارات ، تحدثت عن أن بعض الطائرات المسيّرة التي أستهدفت مواقع داخل أراضيها أنطلقت من الأراضي العراقية ، ورغم خطورة هذه الادعاءات وما تحمله من أبعاد سياسية وأمنية ، فإن التعامل معها يجب أن يستند إلى الحقائق والتحقيقات المهنية لا إلى الاستنتاجات المُتسرعة أو الخطابات الانفعالية .

فالعراق نفسه لم يكن الجهة التي تحدثت أولاً عن وجود تحركات أو مواقع ذات طبيعة أمنية وأستخبارية داخل أراضيه ، بل إن تقارير وتحليلات تداولتها خلال الفتره الماضية وسائل إعلام ووكالات دولية تناولت معلومات عن أنشطة وتحركات يُعتقد أنها تجري ضمن سياقات إقليمية مُعقدة مُرتبطة بالصراع المُحتدم في المنطقة .

كما أشارت بعض القراءات الأمنية إلى أحتمالية أستغلال الجُغرافيا العراقية كمنصة لخلط الأوراق أو لإنتاج وقائع ميدانية قد تُستخدم لتوريط العراق أو بعض الأطراف الداخلية في صراعات إقليمية أوسع ، بما يُهدد بدفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد ، خصوصاً في ظل التوتر القائم بين إيران وعدد من دول الخليج .

ومن هنا ، فإن الخطر الحقيقي لا يكُمن فقط في طبيعة هذه المزاعم أو الجهات التي تروج لها ، بل في أستمرار هشاشة البيئة الأمنية والسياسية التي تجعل العراق عرُضة لأن يتحول إلى ساحة لتبادل الرسائل وتصفية الحسابات الدولية والإقليمية ، فالموقع الجغرافي الحساس ، والانقسام السياسي الداخلي ، وتعدد مراكز القرار الأمني ، كُلها عوامل جعلت من البلاد مساحة مثالية للحروب غير المُعلنة ، وللعمليات التي تُدار في الظل بعيداً عن الضجيج الإعلامي .

وفي هذا السياق ، تبدو بعض العمليات المُعقدة وكأنها أستفادت من مظلات سياسية وعسكرية قائمة منذ سنوات ، سواء عبر الاتفاقيات الأمنية أو عبر واقع النفوذ الدولي داخل العراق ، فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الانتشار العسكري التقليدي ، بل باتت تُدار عبر العمل الاستخباري ، والتقنيات المُتطورة ، وأدوات التمويه ، ما يجعل أي أختراق أمني بهذا المُستوى مُؤشراً على وجود فجوات في التنسيق والسيطرة أكثر من كونه حادثة منفصلة أو طارئة .

كما أن التحركات العسكرية الأخيرة في الصحراء الغربية لا يمكن فصلها عن هذا القلق المتصاعد فبعيداً عن مُلاحقة فلول التنظيمات الإرهابية ، فهُناك مخاوف حقيقية من تحوّل تلك المناطق إلى فراغات أمنية تستثمرها قوى إقليمية ودولية ضمن صراع النفوذ المُحتدم في المنطقة .

إن أخطر ما يواجه العراق اليوم ليس فقط أحتمال وجود أختراقات أمنية أو أستخبارية ، بل أعتياد الطبقة السياسية والحكومه على إدارة الأزمات بمنطق ردود الأفعال لا بمنطق بناء الدولة القادرة ، فالدول لا تُحمى بالشعارات ولا بالمواقف الإعلامية ، بل بمنظومة أمنية مُحترفة ، وقرار سيادي مُوحد ، ورؤية وطنية تمنع تحويل البلاد إلى مساحة لتصفية الحسابات .

أخيراً وليس آخراً .. إن العراق لا يحتاج في هذه المرحلة إلى خطابات التصعيد بقدر حاجته إلى مشروع وطني يُعيد تعريف مفهوم السيادة بعيداً عن الاستقطابات والمحاور ، كما أن الحكومة الجديدة ستكون أمام أختبار حقيقي يتمثل في قُدرتها على ضبط الحدود ، وتوحيد القرار الأمني ، وتعزيز العمل الاستخباري ، ومنع أي طرف داخلي أو خارجي من أستثمار الأراضي العراقية للإضرار بأمن العراق أو أمن جيرانه ، فالدولة التي لا تملأ فراغاتها بنفسها حتماً ستجد الآخرين يملأونها نيابة عنها ، وعندها يصبح الوطن ساحة مفتوحة لا تملك حق أختيار معاركها ولا توقيت نهايتها …!