الحرب الباردة الساخنة..!
طه حسن الأركوازي ||

لم يعد التصعيد “الأمريكي ـ الإيراني” مُجرد أستعراضٍ إعلامي أو تبادل رسائل سياسية محسوبة ، بل دخل مرحلة أكثر حساسية وتعقيداً ، خصوصاً مع الحديث المُتزايد عن خيارات عسكرية جاهزة على الطاولة بالتزامن مع تعثر المسارات الدبلوماسية وأستمرار حالة أنعدام الثقة بين “واشنطن و طهران” فالمشهد الحالي لا يعكس فقط أزمة تفاوض ، بل يكشُف عن صراع إرادات مفتوح تحاول فيه كُل جهة فرض مُعادلة ردع جديدة دون الانزلاق الكامل نحو حرب شاملة قد تُشعل المنطقة بأكملها .
الإدارة الأمريكية تُدرك جيداً أن الضغط الاقتصادي وحده لم ينجح في إخضاع إيران أو دفعها لتقديم تنازلات أستراتيجية تمس مشروعها الإقليمي أو قدراتها العسكرية لذلك تبدو واشنطن وكأنها تنتقل تدريجياً من سياسة الاحتواء إلى سياسة “الضغط المُركب” التي تمزج بين الحصار والتهديد والاستعداد العسكري ، لكن في المُقابل تبدو إيران أكثر أقتناعاً بأن أي تراجع الآن سيُفسر بوصفه هزيمة سياسية وأمنية ، وهو ما يجعل أحتمالات التهدئة أكثر صعوبة من أي وقت مضى .
الخطير في المشهد ليس فقط أحتمالية الضربة الأمريكية ، بل طبيعة البيئة الإقليمية المُحيطة بها ، فالمنطقة اليوم تعيش حالة إنهاك أمني وسياسي وأقتصادي ، من غزة إلى البحر الأحمر والعراق وسوريا ولبنان واليمن ، ما يعني أن أي مُواجهة جديدة لن تبقى ضمن حدود الجغرافيا الإيرانية ، بل قد تتحول إلى سلسلة أشتباكات مُتداخلة يصعب السيطرة عليها ، ولهذا تبدو واشنطن حريصة على فكرة “الضربة المحدودة” ، بينما تعمل طهران على ترسيخ مُعادلة مفادها أن أي أستهداف مُباشر لن يمر دون كُلفة إقليمية واسعة .
إسرائيل من جهتها تدفع بأتجاه تشديد الضغط على إيران ، أنطلاقاً من قناعة راسخة بأن ترك طهران تلتقط أنفاسها بعد الأشهر الماضية سيمنحها فرصة لإعادة ترميم قُدراتها وتعزيز حضورها الإقليمي ، لكن الحسابات الإسرائيلية ليست بالضرورة مُطابقة للحسابات الأمريكية ، فواشنطن تعرف أن الحرب الواسعة قد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها ، خصوصاً مع هشاشة أسواق الطاقة العالمية وأحتمال تهديد الملاحة في مُضيق هرمز ، الذي لا يزال يُمثل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي .
أما إيران ، فرغُم خطابها التصعيدي تبدو أكثر ميلاً إلى إدارة “حرب أستنزاف باردة” بدلاً من مُواجهة عسكرية مُباشرة ومفتوحة مع الولايات المتحدة ، فهي تُدرك الفارق في القوة العسكرية التقليدية ، لكنها تُراهن في المُقابل على أدوات الرد غير المُباشر ، وعلى قُدرتها في إرباك المصالح الأمريكية عبر شبكة النفوذ الإقليمي المُمتدة في أكثر من ساحة ، وهذا ما يجعل أي قراءة سطحية للمشهد قاصرة عن فهم طبيعة الصراع الحقيقي ، لأن المعركة هُنا ليست معركة أحتلال أرض بقدر ما هي معركة إرادات ونفوذ وكسر توازنات .
اللافت أيضاً أن لغُة التهديد المُتبادلة أصبحت جزءاً من إدارة الأزمة نفسها لا مُقدمة حتمية للحرب ، فكُل طرف يحاول رفع سقف الضغط النفسي والسياسي للحصول على مكاسب تفاوضية أكبر ، دون أن يعني ذلك بالضرورة الرغبة الفعلية في الانفجار الكامل ، ومع ذلك تبقى المُشكلة أن الحروب الكُبرى كثيراً ما تبدأ من سوء تقدير أو خطأ في الحسابات أو تصعيد لا يجد من يوقفه في اللحظة الأخيرة .
في الختام .. أن المنطقة اليوم تقف أمام مرحلة شديدة السيولة ، فلا الولايات المتحدة قادرة على فرض أستسلام سياسي كامل على إيران ، ولا طهران قادرة على كسر الإرادة الأمريكية أو إخراجها من المنطقة ، وبين هذين الحدّين تستمر “الحرب الباردة الساخنة” بصيغ جديدة حيثُ تُستخدم القوة أحياناً كرسالة تفاوض ، ويُستخدم التفاوض أحياناً كغطاء لإعادة التموضع ، ولذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي هو هل ستقع الحرب ، بل إلى أي مدى يستطيع الجميع الاستمرار في الاقتراب من حافة الانفجار دون السقوط فيها ..!




