بين رواية القوة وحقائق الميدان .؟
طه حسن الأركوازي ||

في السياسة الدولية لا تُقاس الحروب بما يُقال في المُؤتمرات الصُحفية ، بل بما يبقى قائماً بعد أنتهاء الضجيج ، ولهذا بدت التسريبات الاستخبارية الأمريكية الأخيرة بشأن إيران أكثر من مُجرد معلومات أمنية عابرة ،
إذ جاءت في لحظة سياسية شديدة الحساسية ، تزامُناً مع وصول الرئيس الأميركي “ترامب” إلى الصين ، وفي توقيت بدا وكأنه يُعيد فتح النقاش حول حقيقة ما تحقق ميدانياً في المُواجهة مع طهران .
المشهد يوحي بأن واشنطن حاولت خلال الأشهر الماضية فرض مُعادلة تقوم على الضغط العسكري والاقتصادي المُتوازي ، عبر أستنزاف القُدرات الإيرانية ودفعها نحو تفاوض بشروط أكثر صرامة ، غير أن الوقائع التي تسربت لاحقاً تعكس صورة أكثر تعقيداً ، فإيران رغُم الضربات والعقوبات والحصار ، ما تزال تحتفظ بعدد كبير من بنيتها الصاروخية وقدراتها التشغيلية وهو ما يعني أن فكرة “الحسم الكامل” لم تتحقق بالشكل الذي رُوج له الرئيس “ترامب” سياسياً وإعلامياً .
لكن المُفارقة أن هذه التقديرات لا تكشف فقط حدود القوة العسكرية ، بل تكشف أيضاً طبيعة الصراع نفسه ، فالمواجهة بين واشنطن وطهران لم تعد حرباً تقليدية قابلة للحسم السريع ، بل تحولت إلى صراع أستنزاف طويل تتداخل فيه الجُغرافيا بالطاقة والاقتصاد والأمن الإقليمي ، ولذلك فإن أي حديث عن أنهيار إيراني وشيك يبدو مبالغاً فيه ولا أساس له من الصحة ، تماماً كما أن تصوير إيران كقوة غير قابلة للتأثر لا يعكس الواقع بدقة .
فالضغوط المفروضة على طهران من الولايات المتحدة وإسرائيل ألحقت أضراراً واضحة بالاقتصاد والبنية العسكرية الإيرانية ، وأضعفت جُزءاً من قُدرتها على المُناورة ، لكنها في المُقابل دفعت إيران إلى أعتماد نمط أكثر مرونة في إدارة الصراع يقوم على إعادة الانتشار ، وأستثمار المُنشآت تحت الأرض ، وتطوير أدوات الرد غير المُباشر ، وهذا ما يُفسر أستمرار قُدرتها على الحفاظ على جُزء كبير من منظومتها الصاروخية وطائراتها المُسيرة رغُم كثافة الضربات .
في المُقابل ، تبدو إدارة “ترامب” أمام مُعادلة مُعقدة ، فالرئيس الأميركي حاول تقديم المُواجهة بأعتبارها دليلاً على أستعادة الهيبة الأميركية ، لكنه يُدرك أن أي حرب مفتوحة في الشرق الأوسط قد تتحول إلى عبء أستراتيجي مُضاعف قد يُهدد الاقتصاد العالمي ، ويستنزف النفوذ الأميركي في لحظة تنافس حاد مع الصين وروسيا .
ومن هنا يُمكن فهم الحساسية الكبيرة أتجاه أي تسريبات تُقلل من نتائج العمليات العسكرية أو تشكك بفاعلية سياسة الضغط القصوى .
أما الصين ، التي تُراقب المشهد بحذر ، فهي تُدرك أن أستمرار التصعيد في المنطقة يُهدد خطوط التجارة والطاقة العالمية ، ولذلك تُحاول الظهور كطرف يدفع نحو التهدئة ، لا الانخراط بالمُواجهة ، فبكين لا تنظر إلى الملف الإيراني بوصفه أزمة إقليمية فقط ، بل بأعتباره جُزءاً من الصراع الأوسع على شكل النظام الدولي المقبل .
الواقع الحالي في الشرق الأوسط يُؤكد أن المنطقة تقف عند حافة توازن هش لا الولايات المُتحدة وإسرائيل قادرتان على إنهاء النفوذ الإيراني بالكامل ، ولا إيران قادرة على فرض معادلة أنتصار حاسم ، ولهذا تبدو المرحلة المُقبلة مُرشحة لمزيد من الضغوط والردود المُتبادلة ، ومُحاولات كسر الإرادات ، في صراع قد يطول أكثر مما يتوقعه الجميع .
في الختام .. إن أخطر ما في هذه المُواجهة ليس حجم الصواريخ أو شدة العقوبات ، بل غياب الرؤية الأمريكية السياسية القادرة على منع المنطقة من الانزلاق نحو صراع أوسع قد يدفع الجميع ثمنه من دون وجود مُنتصر حقيقي .
ففي الواقع ، لا تبدو إيران وأمريكا وإسرائيل ذاهبة إلى حرب شاملة بقدر ما تتجه نحو حرب باردة طويلة تُدار بالأستنزاف والضغط المُتبادل ، حيث يُدرك كُل طرف أن كُلفة الحسم الكامل قد تكون أخطر من أستمرار الصراع نفسه ، ولهذا ستبقى المنطقة على الأرجح عالقة بين “تهدئة مُؤقتة و تصعيد محدود” في معركة هدفها كسر الإرادات لا أحتلال الأرض ، فيما تبقى شعوب الشرق الأوسط والأقتصاد العالمي الخاسر الأكبر وسط صراع النفوذ والمصالح الدولية …!




