صحراء النخيب: حين تُختبر السيادة بصمت..!
طه حسن الأركوازي ||

في عالم الصراعات الحديثة ، لم تعد الحروب تُدار بالصواريخ والطائرات فقط ، بل تُدار أيضاً بالتكنلوجيا ، وعبر الفراغات الأمنية ، والهشاشة السياسية ، وضعُف قُدرة الدول على فرض سيادتها الكاملة على أراضيها ، وما تم تداوله في وقتٍ سابق بشأن وجود موقع عسكري سري في صحراء النخيب العراقية ، يُعتقد أنه أُستُخدم لدعم عمليات عسكرية مُعادية ضد إيران أو حُلفائها من الفصائل العراقية ، يفتح الباب أمام تساؤُلات أخطر من مُجرد صحة الخبر بحد ذاته ،
فالقضية لا تتعلق فقط بمُنشأة سرية أو تحركُات غامضة في منطقة نائية ، بل بما تكشفه هذه المُعطيات من تحديات حقيقية تواجه الدولة العراقية في ملف السيادة ، وقُدرتها على ضبط الجُغرافيا العراقية ، ومنع تحويلها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية ، فالقضية لا تتعلق بمدرج مُؤقت أو نصب شبكات تجسُس فحسب ، بل بحقيقة واجهها العراق لسنوات طويلة ، مفادها أن المناطق الرخوة أمنياً تتحول تدريجياً إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية كُلما ضعفت الرقابة ، وتشتت القرار السياسي والأمني ، وتراجعت كفاءة إدارة الدولة لملفاتها السيادية .
إن أخطر ما في هذه المعطيات ليس أحتمال وجود نشاط أجنبي سري مشبوه فقط ، بل أحتمال حدوث تحُركات داخل الأراضي العراقية من دون قُدرة حقيقية على الرصد المبُكر أو الردع أو التحكم الكامل بالميدان ، وهو ما يستوجب وقفة وطنية جادة بعيداً عن لغة الانفعال والمُزايدات السياسية التي لم تنتج للعراق سوى المزيد من الانقسام والضعف .
العراق اليوم يقع في قلب منطقة شديدة التعقيد تتداخل فيها حسابات خارجية ومحاور ، وأي فراغ أمني أو أرتباك سياسي قد يحُول أراضيه إلى منصة غير مُعلنة لتبادل الرسائل العسكرية والاستخبارية ، ولهذا فإن أستمرار الانقسام الداخلي ، وتعدُد مراكز القرار ، وضعف التنسيق بين المُؤسسات الأمنية ، إلى جانب محدودية الإمكانات العسكرية والتقنية والاستخبارية ، يمنح القوى الخارجية فُرصة للتحرك داخل الجُغرافيا العراقية بأقل قدر من الكُلفة والمخاطر .
ومن المهم الإشارة إلى أن من كشف هذه التحركات ، بحسب ما تم تداوله كان راعياً محلياً أبلغ القوات الأمنية بمُؤشرات وتحركات مُريبة داخل الصحراء ، قبل أن يتعرض لاحقاً لعملية أغتيال أثارت الكثير من التساؤلات والاستياء . وهذه الحادثة ، تعكس حساسية الملفات المُرتبطة بالأمن والسيادة ، كما تكشف حجم المخاطر التي قد تواجه أي محاولة للإبلاغ عن الخروقات أو كشفها .
أما بشأن أستهداف القوة العراقية التي حاولت الاقتراب من المنطقة ، فهو يكشف بوضوح حجم التحديات التي توُاجهها الدولة في فرض هيبتها على كامل أراضيها ، ويؤكد أن السيادة لا تُصان بالشعارات والخطابات وحدها ، بل ببناء دولة تمتلك قراراً وطنياً مُستقلاً ، ومُؤسسات أمنية وعسكرية مُحترفة ، ومنظومة أستخبارية وتقنية متطورة قادرة على كشف أي أختراق والتعامل معه مُبكراً قبل أن يتحول إلى أزمة وطنية أو إقليمية تُهدد أمن البلاد وأستقرارها .
إن المرحلة المُقبلة تتطلب من الحكومة مُغادرة سياسة إدارة الأزمات بالترقيع والتأجيل والمجاملات والحسابات الفئوية الضيقة ، لأن الدول التي تُستباح أراضيها بصمت تبدأ أولاً بخسارة هيبة القرار ، ثم تخسر تدريجياً قُدرتها على حماية مصالحها وموقعها الإقليمي .
إن حماية السيادة العراقية لا تتحقق عبر التصعيد الإعلامي أو تبادل الاتهامات ، بل عبر مشروع دولة حقيقي يُعيد بناء المنظومة العسكرية والأمنية والاستخبارية وفق أُسس مهنية ووطنية ، ويوحد القرار الأمني ، ويُعزز الرقابة الجوية والحدودية ، ويُستثمر في التكنولوجيا الحديثة وأنظمة الرصد المُبكر ، مع إعادة تفعيل مبادئ “التخصص والكفاءة والخبرة والمهنية” في إدارة المُؤسسات الحساسة بعيداً عن المُحاصصة والولاءات المُتعددة .
أخيراً وليس آخراً .. أن الحكومة العراقية المُقبلة ستكون أمام أختبار حقيقي ، ليس في إدارة الملفات اليومية فحسب ، بل في قُدرتها على إعادة تعريف مفهوم السيادة عملياً ، من خلال فرض سُلطة الدولة على كامل الجُغرافيا العراقية ، وبناء سياسة خارجية مُتوازنة تمنع تحويل العراق إلى ساحة صراع بالنيابة ، فالعراق اليوم لا يحتاج إلى المزيد من الخطابات ، بل إلى دولة قوية تُحترم حدودها وسيادتها ، ويُحسب لقرارها الوطني ألفُ حِساب …!




