هرمز يشتعل من جديد: هل دخلت المنطقة مرحلة كسر الإرادات .؟
طه حسن الأركوازي ||

عاد مضيق هرمز ليتصدر واجهة التوترات الإقليمية والدولية ، بعد سلسلة مُواجهات عسكرية مُتبادلة بين “إيران و أمريكا” في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم ليس فقط بسبب موقُعها الجُغرافي ، بل لأنها تُمثل شرياناً حيوياً للطاقة والتجارة الدولية ، فالتقارير الواردة من وسائل إعلام إيرانية وأمريكية خلال الساعات الماضية تكشف عن تصعيد ميداني خطير ، بدأ مع أتهام طهران للقوات الأمريكية بأستهداف ناقلة نفط إيرانية داخل المضيق ، قبل أن يتطور الأمر إلى تبادل لإطلاق النار وهجمات صاروخية ومسيرات مُتبادلة شملت وحدات بحرية أمريكية ومواقع إيرانية في قشم وبندر عباس .
فما يجري في “مضيق هرمز” لا يبدو حادثاً عسكرياً عابراً ، ولا مُجرد أشتباك بحري محدود يُمكن أحتواؤه ببيانات التهدئة المُعتادة ، بل أقرب إلى رسالة نار مُتبادلة بين مشروعين يتصارعان على شكل الشرق الأوسط المقبل : مشروع : يُريد إخضاع إيران بالكامل عبر الضغوط والعقوبات والاستنزاف العسكري والسياسي .؟
والمشروع الآخر : يحاول فرض مُعادلة تقول إن طهران ما زالت قادرة على تهديد المصالح الأمريكية والغربية متى ما شعرت بأنها مُحاصرة أو مُستهدفة وتمتلك من المُفاجئات ما ستُغير وجهة المُعادلة .؟
لكن اللافت في التصعيد الأخير أن لغُة الاشتباك تغيّرت ، فإيران لم تعد تتحدث فقط عن “الرد المُناسب”، بل بدأت تُظهر أستعداداً مُتزايداً لنقل المُواجهة إلى الممرات البحرية الحساسة حيث النفط العالمي ، والتجارة الدولية ، والقواعد العسكرية ، والأساطيل الأجنبية ، وهذا التحول يكشُف أن طهران تُحاول إعادة رسم قواعد الاشتباك بطريقة تجعل أي ضغط عليها مُكلفاً للجميع لا لها وحدها .
في المقابل ، تبدو الولايات المُتحدة وكأنها تسير على خيط دقيق بين خيارين متناقضين ، فهي لا تريد حرباً شاملة قد تُغرق المنطقة بالفوضى وترفع أسعار الطاقة عالمياً ، وتُهدد الاقتصاد الدولي ، لكنها أيضاً لا تريد أن تظهر بمظهر العاجز أمام التحدي الإيراني ، خصوصاً في ظل الضغوط الإسرائيلية المُتصاعدة والدعوات الغربية لتقليم أظافر النفوذ الإيراني في المنطقة .
ومن يُراقب المشهد بواقعية يدرك أن إسرائيل تلعب دوراً محورياً في رفع مُستوى التوتر لأنها ترى أن أي تهدئة “أمريكية ـ إيرانية” طويلة الأمد ستمنح طهران فُرصة لترميم نفوذها الإقليمي ، وتطوير قدراتها العسكرية والاقتصادية ، لذلك فإن تل أبيب تدفع دائماً بأتجاه إبقاء إيران تحت الضغط المُستمر ، سواء عبر الضربات غير المُباشرة أو عبر توسيع دائرة الاستنزاف الأمني والسياسي .
لكن في المقابل ، تبدو إيران اليوم مُختلفة عن سنوات سابقة ، فهي تتصرف بعقلية “الصبر الهجومي” أي أنها لا تبحث عن حرب مفتوحة ، لكنها في الوقت نفسه لم تعد تقبل بسياسة الاحتواء الصامت ، ولهذا فإن أي أستهداف لناقلة نفط أو مُنشأة أو وحدة بحرية إيرانية بات يُقابل برد محسوب لكنه صاخب ، هدفه تثبيت صورة أن أيران ما زالت قادرة على تهديد التوازنات الكُبرى في المنطقة .
المشكلة الحقيقية أن المنطقة دخلت فعلياً مرحلة “الاحتكاك الدائم”، حيث تكفي شرارة صغيرة أو خطأ ميداني محدود لتحويل الاشتباك إلى مُواجهة واسعة يصعب ضبطها . فكل الأطراف تمتلك السلاح ، لكن لا أحد يمتلك ضمانة السيطرة الكاملة على نتائج التصعيد إذا أنفلتت الأمور .
كما أن خطورة هرمز لا تتعلق بالجانب العسكري فقط ، بل بما يمثله المضيق “أقتصادياً وسياسياً” ، فأي أضطراب فيه يعني أهتزاز أسواق النفط والطاقة العالمية ، وأرتفاع كُلفة النقل والتأمين ، وربما إدخال الاقتصاد الدولي في موجة توتر جديدة ، خصوصاً في ظل الأزمات المُتراكمة التي يعيشها العالم .
في المُحصلة .. أعتقد أن ما يحدث ليس بداية حرب شاملة بقدر ما هو سباق عضّ أصابع طويل ، تحاول فيه واشنطن وتل أبيب إنهاك إيران وإبقاؤها تحت الضغط ، بينما تُحاول طهران إثبات أنها ليست الحلقة الأضعف ، وأن أمن الخليج والملاحة والطاقة لن يبقى مُستقراً إذا أستمرت سياسة الخنق والعزل والمواجهة المفتوحة ضدها .
وفي خضم هذا التصعيد ، يبقى السؤال الأخطر : هل ما زالت المنطقة تمتلك هامشاً للعقل السياسي ، أم أن الشرق الأوسط بات يقترب أكثر من أي وقت مضى من لحظة الانفجار الكبير …!




