من حكومة التسويات إلى دولة القرار..!
طه حسن الأركوازي ||

يدخل العراق اليوم واحدة من أكثر مراحله السياسية حساسية منذ سنوات ، ليس لأن البلاد تقف أمام أستحقاق دستوري جديد فحسب ، بل لأن لحظة تشكيل الحكومة تحوّلت إلى أختبار فعلي لقُدرة النُخب السياسية على الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الدولة ، فالعراقيون لم يعودوا ينتظرون تغيير الأسماء بقدر ما ينتظرون تغيير طريقة الحُكم نفسها ، بعدما أثبتت التجارب المُتراكمة أن تدوير الوجوه داخل المُعادلات ذاتها لا يُنتج إلا مزيداً من التعطيل والإنهاك المُؤسسي .
إن حكومة السيد المكلف “علي الزيدي” تقف اليوم أمام فرصة نادرة قد لا تتكرر ، لأن حجم الأزمات التي تواجه العراق بات يفرض مُراجعة شاملة لآليات إدارة الدولة ، بدءاً من الاقتصاد والخدمات مروراً بملفات الطاقة والمياه والبطالة ، وصولاً إلى ملف الفساد ، وضعف الإدارة ، وتعدد مراكز القرار .
ولهذا فإن نجاح الحكومة المُقبلة لن يتحقق عبر توزيع الحقائب وفق التوازنات التقليدية ، بل عبر تبني مشروع وطني واضح يقوم على إعادة هيبة الدولة ومُؤسساتها .
وأول خطوة في هذا المسار تبدأ بفصل الإدارة التنفيذية عن ضغوط المصالح السياسية عبر منح رئيس الحكومة والوزراء صلاحيات حقيقية ضمن برنامج حكومي مُعلن ومُحدد زمنياً ، يخضع للرقابة والتقييم الدوري أمام الرأي العام فالدولة لا يمكن أن تنهض بوزير مُقيد بالتوازنات أو مسؤول يخشى الاصطدام بمراكز النفوذ أكثر مما يخشى فشل مُؤسسته .
كما أن العراق يحتاج اليوم إلى التحول من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المُنتج ، عبر إطلاق مشاريع أستراتيجية في “الصناعة والزراعة والطاقة المتجددة والبنى التحتية والسياحة” مع تقليل الاعتماد شُبه الكامل على النفط ، فالدول لا تُبنى بثرواتها فقط ، بل بقُدرتها على تنويع مصادر القوة والاستثمار في الإنسان والتعليم والتكنولوجيا وسوق العمل .
وفي الجانب الإداري ، تبدو اليوم أن الحاجة مُلحة لإعادة بناء مُؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والخبرة والتخصص والنزاهة ، لا على أساس الولاءات والانتماءات الضيقة ، فالتجربة أثبتت أن أخطر ما أصاب الدولة العراقية لم يكن نقص الإمكانيات ، بل تآكل مفهوم “الرجل المناسب في المكان المناسب”، حتى تحولت بعض المُؤسسات إلى ساحات للمُحاصصة بدلاً من أن تكون أدوات لخدمة المواطن .
أما في السياسة الخارجية ، فإن المرحلة الحالية تتطلب من العراق أنتهاج سياسة توازن ذكية تحفظ المصالح الوطنية بعيداً عن الاصطفافات الحادة ، فالعراق بحُكم موقعه الجغرافي وثقله الإقليمي لا يحتمل أن يكون ساحة للصراعات أو منصة لتصفية الحسابات ، بل يجب أن يتحول إلى دولة تمتلك قرارها السيادي ، وتبني علاقاتها وفق مبدأ المصالح المشتركة والاحترام المُتبادل .
ومن الضروري أيضاً أن تُدرك القوى السياسية أن أستمرار الخطاب التصعيدي والمُناكفات الإعلامية لم يعد يُقنع الشارع العراقي الذي أنهكته الأزمات وفقد ثقته بالشعارات التقليدية ، فالمواطن اليوم يُريد “كهرباء وفرص عمل وخدمات وتعليماً وصحة وعدالة” ولا يعنيه حجم الخلافات بقدر ما يعنيه حجم الإنجاز الحقيقي على الأرض .
إن أخطر ما قد تواجهه الحكومة المُقبلة ليس المُعارضة السياسية ، بل فُقدان ثقة الناس بإمكانية الإصلاح أصلاً ، ولهذا فإن الطريق الأقصر لأستعادة الثقة يبدأ بخطوات جريئة وواضحة في “مكافحة الفساد بقرارات فعلية لا إعلامية ، تقليص الهدر ، حماية المال العام ، دعم القضاء ، وتفعيل الرقابة المُؤسساتية بعيداً عن الانتقائية أو الحسابات السياسية” .؟
أخيراً وليس آخراً .. اليوم يبدو أن العراق أمام مُفترق طُرق حقيقي :
إما الاستمرار في إدارة الدولة بعقلية التسويات المؤقتة .
أو الانتقال إلى مشروع دولة مُستقرة تمتلك رؤية طويلة الأمد ، فالتاريخ لا يتوقف عند الحكومات ، لكنه يتوقف كثيراً عند اللحظات التي تمتلك فيها النُخب السياسية شجاعة أتخاذ القرار الصحيح ، والعراق رغُم كُل أزماته ما زال يمتلك فُرصة للنهوض إذا ما توفرت الإرادة السياسية القادرة على تقديم مصلحة الدولة على مصالح السلطة ، وتحويل الثروة والإمكانات إلى مشروع وطني يعيد للعراقيين ثقتهم بدولتهم ومستقبلهم …!




