واشنطن في مواجهة هرمز: حرب الدستور والشرعية بعد ستين يوماً..!
طه حسن الأركوازي ||

بعد مرور ستين يوماً على أندلاع المُواجهة بين الولايات المتحدة وإيران ، لم تعد المعركة محصورة في مياه الخليج أو مضيق هرمز ، بل أنتقلت إلى قلب العاصمة الأمريكية حيث تدور الآن معركة من نوع آخر “معركة حول الشرعية الدستورية ، حدود السلطة ، وتبعات القرار السياسي والاقتصادي” ما بدا في البداية نزاعاً عسكرياً إقليمياً تحول إلى أختبار مُؤسساتي داخل واشنطن يعكس تباينات في التفسير القانوني ، حساسية أنتخابية ، ومخاوف أقتصادية عالمية .
الانقضاض على الإطار القانوني أنتهت المُهلة التي حددها قانون سلطات الحرب لعام 1973 ، الذي يمنح الرئيس صلاحية خوض عمليات عسكرية محدودة لمدة ستين يوماً دون تفويض صريح من الكونغرس ، مع إمكانية تمديد قصير لأنسحاب آمن .
مع تجاوز هذه المهلة طرح السؤال المركزي وهو من يملك قرار أستمرار المواجهة الرئيس أم الكونغرس .؟
الإجابة ليست تقنية فحسب ، بل سياسية ودستورية وتُعيد فتح سجالات تاريخية حول توازن السلطات في الولايات المتحدة .
الرئيس وصف العمليات بأنها “إجراءات عسكرية محدودة” في محاولة للحفاظ على هامش من المناورة التنفيذية ، بينما يرى أعضاء في الكونغرس أن ما يجري يرقى إلى مُستوى مُواجهة شاملة تتطلب تفويضاً صريحاً ، هذا التباين في التصنيف ليس مُجرد أختلاف لفظي ، بل يُحدد من يتحمل المسؤولية السياسية والقانونية عن أستمرار العمليات وتبعاتها .
أنقسام داخلي للمشهد السياسي في واشنطن أنقسم إلى تيارات مُتباينة :
1- تيار يُطالب بتفويض فوري أو أنسحاب .؟
2- تيار يُدافع عن صلاحيات الرئيس كقائد أعلى .؟
3- تيار ثالث يُركز على أداة التمويل بأعتبارها مُؤشراً عملياً على موافقة الكُونغرس .؟
هذا الانقسام يتقاطع مع حساسية الانتخابات النُصفية ، حيث باتت تكلُفة الحرب على المشهد الانتخابي ملموسة ، وأرتفاع أسعار الطاقة يُفاقم الضغوط على الإدارة والنواب على حد سواء .
الضغوط الداخلية لا تقتصر على الحسابات الحزبية ، بل تشمل مخاوف من تداعيات أقتصادية عالمية ، أنعكاسات على سلاسل الإمداد ، وزيادة في تكلُفة الوقود تؤثر على الأُسر والشركات ، في هذا المناخ يصبح القرار بشأن أستمرار المُواجهة مسألة توازن بين أعتبارات الأمن القومي والمصلحة الاقتصادية والسياسة الداخلية .
البعد الإقليمي ، إذ تواصل إيران أستخدام مضيق هرمز كأداة ضغط أستراتيجية ، ما أدى إلى تعطيل الملاحة وأرتفاع أسعار النفط ، في المقابل عززت الولايات المُتحدة تحالفاتها الإقليمية ونسقت تحركاتها مع إسرائيل في محاولات لاحتواء التهديدات والحد من قُدرة طهران على توسيع نطاق المواجهة ، لكن أي خيار عسكري أوسع يُواجه مخاطر تصعيد لا تقتصر على الطرفين فحسب ، بل تمتد لتشمل دول الجوار والأسواق العالمية .
الدبلوماسية تبدو حتى الآن محدودة النتائج “مطالب واشنطن بوقف التخصيب ، والحد من قدرات إيران النووية تتصادم مع تمسك طهران بحقوقها السيادية” ، ما يترك مساحة ضيقة للتسوية السريعة ما لم تتغير موازين الضغط أو تظهر وساطة إقليمية ودولية فعالة ، فأستشراف السيناريوهات أمام واشنطن ثلاثة مسارات مُحتملة :
1- تفويض رسمي من الكونغرس يُشرعن أستمرار العمليات ويُعيد توزيع المسؤولية السياسية .
2- أنسحاب تدريجي يُقلل من حدة التوتر لكنه قد يُفسر كتنازل أستراتيجي .
3- أستمرار غير مُصرح به عملياً عبر آليات التمويل ، ما يفتح باب أزمة دستورية طويلة الأمد .
كُل خيار يحمل تبعات داخلية وإقليمية وأقتصادية ، ولا يوجد مسار خالٍ من المخاطر ، لكن الأهم أن القرار لن يُحسم فقط على أساس قانوني أو عسكري ، بل سيعتمد على قُدرة الفاعلين السياسيين على إدارة التوازن بين الأمن والشرعية والاقتصاد ، وعلى مدى نجاح القنوات الدبلوماسية في خلق مخرج يحد من التصعيد .
ختاماً .. بعد ستين يوماً لم تعد المُواجهة مُجرد تبادل ضربات في الخليج ، بل أصبحت أمتحاناً لمُؤسسات الدولة الأمريكية وللدبلوماسية الإقليمية ، المعركة الآن تدور في ساحات القانون والميزانية والرأي العام ، أكثر منها في ساحات القتال ، كيف ستتعامل واشنطن مع هذا الاختبار إذ سيُحدد ليس فقط مسار العلاقة مع إيران ، بل أيضاً معالم السُلطة داخل أقوى دولة في العالم ، وتأثير ذلك على أستقرار المنطقة والأسواق العالمية …!




