بين التكليف والاختبار : فرصة بناء أم إعادة إنتاج .؟
طه حسن الأركوازي ||

في لحظة سياسية معقدة تتقاطع فيها الحسابات الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية ، جاء تكليف السيد “علي الزيدي” برئاسة مجلس الوزراء مُحاطاً بجملة من التساؤلات والملاحظات التي عكستها النخب السياسية ودوائر التحليل ، ومع ذلك فإن منطق الدولة يقتضي التعامل مع هذا التكليف بوصفه واقعاً دستورياً قائماً يستدعي التعاطي المسؤول معه ، لا سيما في ظل التحديات المُتراكمة التي تواجه العراق على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والخدمية .
إن الإشكالية الأعمق لا تكمن في شخص المُكلف بقدر ما ترتبط بالمنظومة التي أنتجت هذا الاختيار ، وهي منظومة ما تزال ، وفق ما تشير إليه تقارير مراكز بحثية دولية ، تعاني من أختلالات بُنيوية ناجمة عن هيمنة أنماط الحُكم التوافقي القائم على المُحاصصة وما يرافقه من توزيع للسلطة وفق أعتبارات غير مؤسساتية . هذه الآليات ، التي جرى تبريرها في مراحل سابقة تحت عناوين “التوازن” و”الاستقرار”، أفضت عملياً إلى إضعاف فاعلية الدولة وتعطيل قُدرتها على إنتاج سياسات عامة متماسكة وقابلة للتنفيذ .
ومن هنا ، فإن التحدي الحقيقي أمام رئيس الوزراء المُكلف لا يتمثل في إدارة التوازنات السياسية بقدر ما يُكمن في القُدرة على إعادة توجيهها ضمن إطار مُؤسساتي يضمن كفاءة الأداء وأستقلالية القرار ، فالتجارب المُقارنة في دول خرجت من أزمات مُشابهة تُشير بوضوح إلى أن نجاح أي حكومة لا يُقاس بمدى قُدرتها على إرضاء الأطراف السياسية ، بل بمدى قُدرتها على فرض معايير مهنية في إدارة الدولة ، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص ، وتعزيز ثقة المواطن بالمُؤسسات .
وفي هذا السياق ، يصبح معيار أختيار الكابينة الحكومية نُقطة الارتكاز الأساسية ، إذ لم يعد مقبولاً ، لا سياسياً ولا مُجتمعياً ، الاستمرار في إنتاج حكومات تُبنى على أساس الانتماء الحزبي أو الولاء الفئوي ، في ظل ما يمتلكه العراق من طاقات بشرية وكفاءات علمية قادرة على إحداث تحول نوعي في الأداء المُؤسسي .
إن أعتماد الكفاءة والنزاهة والتخصص والمهنية بوصفها معياراً حاكماً وليس خياراً ثانوياً ، يُشكل المدخل الأول لأي مشروع إصلاحي حقيقي وجاد .
كما أن بناء رؤية حكومية واضحة ومُعلنة ، تتضمن أهدافاً قابلة للقياس ، وأطراً زمنية مُحددة ، يعد ضرورة لا يمكن تجاوزها ، فقد أظهرت التجارب السابقة أن غياب البرنامج التنفيذي المُتكامل كان أحد أبرز أسباب تعثر الحكومات ، حيث تحولت الإدارة إلى ردود أفعال آنية بدلاً من أن تكون عملية تخطيط أستراتيجي تستند إلى أولويات وطنية واضحة . وفي هذا الإطار ، تُؤكد دراسات الحوكمة الحديثة أن الدول التي نجحت في تحقيق الاستقرار والتنمية هي تلك التي أعتمدت على التخطيط المتوسط وطويل الأمد ، وربطت الأداء الحكومي بمؤشرات قياس دقيقة تتيح التقييم والمُساءلة .
ولا يقل أهمية عن ذلك مسألة أستقلال القرار التنفيذي عن الضغوط الحزبية ، وهي معادلة دقيقة لكنها مُمكنة إذا ما توفرت الإرادة السياسية ، فالدولة بوصفها كياناً جامعاً لا يمكن أن تستمر في العمل وفق منطق التجزئة ، حيثُ تُدار كُل مُؤسسة بمنأى عن الأخرى أو وفق أجندات مُتباينة .
إن إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الجامعة ، القائمة على المُواطنة وسيادة القانون ، يُمثل شرطاً أساسياً لأي تحول حقيقي .
وفي ضوء ذلك ، يُمكن النظر إلى المرحلة الحالية بوصفها أختباراً مُزدوجاً :
1- أختباراً لقُدرة رئيس الوزراء المُكلف على أتخاذ قرارات جريئة تُعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمصلحة العامة .؟
2- أختباراً للطبقة السياسية في مدى أستعدادها للانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الدولة ، فإما أن يكون هذا التكليف بداية لمسار إصلاحي مختلف ، أو أن يتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة من التجارب التي لم تحقق تطلعات العراقيين .
أخيراً وليس آخراً .. إن الرسالة الأهم في هذا السياق لا تنطوي على نقد بقدر ما تحمل دعوة لإعادة النظر ، فالعراق اليوم لا يفتقر إلى الموارد ولا إلى الكفاءات ، بل يحتاج إلى إعادة ترتيب الأولويات ، وتغليب المصلحة الوطنية على الاعتبارات الضيقة .
إن الابتعاد عن منطق “التوازن” و”المحاصصة”، وأعتماد معايير “التخصص والمهنية والكفاءة والنزاهة” ، وبناء برنامج حكومي واضح ، وتعزيز أستقلال القرار التنفيذي ، تُمثل جميعها مسارات عملية يُمكن أن تُحدث فرقاً ملموساً إذا ما جرى تبنيها بجدية ، فنجاح هذه التجربة لا يرتبط بشخص بعينه ، بل بمدى قُدرة النظام السياسي ككُل على مُراجعة ذاته ، لأن التاريخ السياسي لا يُسجل النوايا بل النتائج ، والفرص التي لا تُستثمر تتحول سريعاً إلى أعباء .
ومن هنا ، فإن المسؤولية اليوم مُشتركة ، والرهان الحقيقي ليس على إدارة اللحظة ، بل على صناعة المُستقبل …!




