يهود إيران بين الولاء الوطني وسجال الهوية..!
طه حسن الأركوازي ||

في خضم التصعيد المُتسارع في الشرق الأوسط تتقاطع التصريحات السياسية مع الهويات الدينية في مشهد مُعقد يعكس طبيعة الصراع المركّب في المنطقة ، وفي هذا السياق برزت تصريحات منسوبة إلى زعيم الطائفة اليهودية في إيران الحاخام “يونس حمامي لالة زار” التي أكد فيها وقوف يهود إيران تحت راية الدولة ، وأعتبر أن الصهيونية تمثل أنحرافاً عن جوهر الديانة اليهودية .
هذه التصريحات وإن بدت في ظاهرها مُوقفاً دينياً إلا أنها تحمل أبعاداً سياسية وأستراتيجية تتجاوز حدود الطائفة نفسها .
تاريخياً ، تشكل الجالية اليهودية في إيران واحدة من أقدم الجاليات في الشرق الأوسط ، وقد حافظت على وجودها رغم التحولات السياسية الكُبرى منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979 ورغم التوتر العلني بين إيران وإسرائيل ، فإن الخطاب الرسمي الإيراني يُميز على المستوى النظري بين اليهودية كديانة مُعترف بها ، وبين الصهيونية كحركة سياسية . هذا التمييز أتاح للطائفة اليهودية مساحة للبقاء والمشاركة ضمن الإطار الوطني ، وإن كانت هذه المساحة تخضع لحسابات دقيقة ومعقدة .
تصريحات الحاخام “حمامي لالة زار” تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية ، تتسم بتصاعد الضغوط على طهران ، سواء عبر العقوبات الأمريكية أو عبر الاحتكاكات غير المُباشرة مع إسرائيل في أكثر من ساحة ، في هذا المناخ تبدو هذه المواقف جُزءاً من خطاب تعبوي داخلي يهدف إلى تعزيز صورة التماسك الوطني ، وإظهار أن المواجهة ليست دينية بقدر ما هي سياسية وأستراتيجية ، كما أنها تُستخدم في جانب منها لإرسال رسائل إلى الخارج بأن الصراع مع إسرائيل لا يُمثل صراعاً مع اليهود كجماعة دينية ، يُمكن قراءة هذه التصريحات ضمن سياقين متداخلين :
الأول داخلي : يتعلق بإدارة التنوع داخل إيران ، حيث تسعى الدولة إلى إبراز نموذج “الأقليات المنضبطة” التي تعلن ولاءها الكامل للنظام ، بما يعزز شرعيته في مواجهة الضغوط الخارجية .
السياق الثاني : فهو خارجي ، يرتبط بالحرب الإعلامية والنفسية المُصاحبة للتوترات الإقليمية ، حيث تسعى كُل جهة إلى توظيف الخطاب الديني أو الهوياتي لخدمة سرديتها السياسية .
غير أن هذه الصورة ليست أحادية أو خالية من التعقيد ، فبعض مراكز الدراسات الغربية والشرق أوسطية تشير إلى أن مواقف الأقليات في الأنظمة المغلقة غالباً ما تكون محكومة بأعتبارات البقاء والاستقرار ، أكثر من كونها تعبيراً حراً عن قناعات سياسية كاملة ، وفي المقابل ، تؤكد دراسات أخرى أن جُزءاً من يهود إيران يميّزون فعلياً بين أنتمائهم الديني وموقفهم من إسرائيل ، أنطلاقاً من رؤية تاريخية ودينية ترى في الصهيونية مشروعاً سياسياً لا يُمثل كُل اليهود .
في المحصلة .. إن هذه التصريحات تعكس تداخلاً عميقاً بين الدين والسياسة في منطقة تعيش على وقع إعادة تشكيل موازين القوى. فهي من جهة تعزز الخطاب الإيراني القائم على الفصل بين اليهودية والصهيونية ، ومن جهة أُخرى تفتح باب التساؤل حول طبيعة مواقف الأقليات في بيئات مشحونة بالصراع ،
وبين هذين البُعدين ، يبقى الأكيد أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة أكثر تعقيداً ، حيث لم تعد المواجهات تُخاض فقط بالسلاح ، بل أيضاً بالكلمات والرموز والهويات في معركة سرديات لا تقل تأثيراً عن ميادين القتال …!




