الجمعة - 03 يوليو 2026

حرب الظلال: حين تتقدّم الاستخبارات على المُواجهة المُباشرة ..!

منذ شهرين
الجمعة - 03 يوليو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

لم تعد المُواجهة بين إيران وإسرائيل تُقاس فقط بميزان القوة العسكرية التقليدية أو تبادل الرسائل النارية عبر الوكلاء الإقليميين ، بل باتت تُدار بدرجة مُتزايدة داخل فضاء خفي تحكمه قواعد “حرب الظل” حيث تتقدّم الاستخبارات بوصفها أداة الحسم الأكثر فاعلية والأقل كُلفة .
ففي هذا السياق ، تبدو الوقائع المُتداولة مُؤخراً حول أختراقات مُتبادلة ، سواء داخل البُنية العسكرية الإسرائيلية أو في العمق الإيراني ، جُزءاً من نمط مُتصاعد من الصراع المُركب الذي يتجاوز الدعاية الإعلامية ليعكس تحولات أعمق في طبيعة الاشتباك بين الطرفين .

التقارير التي تحدثت عن تمكُن طهران من تجنيد عناصر داخل وحدات مُهمه داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ، إذ تُشير إلى سعي إيراني الحثيث لأختراق ما يُعرف بـ”مُجتمع النخبة الأمنية” في إسرائيل ، وهو أختراق لا يُقاس فقط بحجم المعلومات المُسربة ، بل بتأثيره النفسي والمعنوي على منظومة الردع ، فالمُؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي تقوم عقيدتها على التفوق الاستخباري والاستباقي تجد نفسها أمام تحدٍ من نوع مُختلف “تهديد داخلي يصعب رصده بالوسائل التقليدية ، ويقوّض الثقة داخل السلسلة القيادية” .؟

في المقابل ، لا يُمكن فصل هذه الروايات عن سياق أوسع من الحرب الاستخباراتية طويلة الأمد ، حيثُ تمتلك إسرائيل سجلاً مُمتداً في تنفيذ عمليات نوعية داخل إيران ، أستهدفت شخصيات ومُنشآت حساسة ، سواء عبر الاغتيالات الدقيقة أو الهجمات السيبرانية أو عمليات التجنيد ، هذه العمليات التي غالباً ما تُنسب إلى جهاز “الموساد”، تهدف إلى إبطاء البرنامجين النووي والعسكري الإيراني ، وخلق حالة أستنزاف دائم داخل البنية الأمنية الإيرانية .
ضمن هذا الإطار ، تبرز قضية “مهدي فريد” وفق ما أعلنته وسائل إعلام إيرانية كنموذج معكوس لأختراق إسرائيلي داخل العُمق الإيراني فالرواية الرسمية تُقدّم القضية بوصفها نجاحاً أستخبارياً في كشف شبكة تجسس عالية الحساسية ، تورط فيها مسؤول يمتلك وصولاً إلى معلومات أستراتيجية ، وبغض النظر عن تفاصيل السرد التي قد تخضع بطبيعتها لأعتبارات الحرب النفسية والإعلامية ، فإن الثابت هو أن طهران تسعى من خلال الإعلان عن مثل هذه القضايا إلى تحقيق هدفين متوازيين : أولاً : توجيه رسالة ردع داخلية لمنع أي أختراق مُحتمل .؟
ثانياً : إظهار قُدرتها على أحتواء الاختراقات وإعادة ضبط بيئتها الأمنية .؟
ما يمنح هذه التطورات أهميتها ليس فقط مضمونها ، بل توقيتها فهي تتزامن مع مرحلة إقليمية شديدة الحساسية تتداخل فيها الضغوط الأميركية على إيران سواء عبر العقوبات الاقتصادية أو محاولات إعادة تشكيل بيئة الردع مع تحركات إسرائيلية أكثر جُرأة في أستهداف ما تعتبره “التهديد الإيراني المُتنامي”. وفي ظل تعثر المسارات الدبلوماسية المُرتبطة بالملف النووي ، يتحول العمل الاستخباراتي إلى أداة بديلة لإدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون كُلفتها مُرتفعة على جميع الأطراف .

من زاوية تحليلية ، يمكن القول إن الطرفين يعتمدان أستراتيجيتين مُتوازيتين ومتكاملتين هما : “الاختراق من الداخل” و”الضربات الدقيقة”.
فإيران ، التي تواجه تفوقاً تقنياً وأستخبارياً إسرائيلياً مدعوماً بشبكة علاقات دولية واسعة ، تحاول تعويض هذا الفارق عبر الاستثمار في تجنيد الموارد البشرية ، وأستغلال الثغرات الاجتماعية أو الأيديولوجية أو حتى الاقتصادية داخل الخصم ، في حين تعتمد إسرائيل بشكل أكبر على التفوق التكنولوجي ، والقُدرات السيبرانية ، والعمل الاستخباراتي العابر للحدود غير أن هذا النمط من الصراع لا يخلو من المخاطر ، فكُل أختراق ناجح يُقابله تشديد أمني مُضاد .؟
وكل عملية تجسس مكشوفة تفتح الباب أمام موجة من الشكوك داخل المؤسسات ما قد يؤدي إلى حالة من “الشلل الوظيفي” أو التآكل التدريجي للثقة ، كما أن تصاعد الحرب السيبرانية ، بما تتضمنه من هجمات على البنى التحتية الحيوية يرفع من أحتمالات الخطأ غير المحسوب الذي قد يتحول إلى تصعيد مفتوح .

في المحصلة .. تبدو حرب الاستخبارات بين إيران وإسرائيل أقرب إلى “صراع عقول” طويل الأمد تستخدم فيه التكنولوجيا والموارد البشرية والدعاية النفسية كأدوات مُتكاملة . وهي حرب لا تُحسم بأنتصار واضح أو هزيمة نهائية ، بل بإدارة مُستمرة للتفوق النسبي ، ومحاولة تقويض توازن الطرف الآخر دون دفع المنطقة إلى حافة الانفجار الشامل .
وفي ظل البيئة الإقليمية الحالية ، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع الحسابات المحلية فأنه يُرجح أن تبقى هذه الحرب الخفية هي السمة الغالبة للصراع حتى إشعار آخر …!