الأحد - 21 يونيو 2026

المهدوية بوصفها أفقًا حضاريًا للتاريخ الإنساني..!

منذ شهرين
الأحد - 21 يونيو 2026

محمد عبد الجبار الشبوط ||

 

 

تُختزل المهدوية في الوعي الشائع غالبًا بوصفها عقيدة غيبية تتعلق بظهور مخلّص في آخر الزمان، غير أن هذا الاختزال يحجب بعدها الأعمق بوصفها رؤية حضارية شاملة لمسار التاريخ الإنساني، تقوم على فكرة مركزية مفادها أن حركة البشرية ليست حركة عشوائية بلا غاية، ولا صراعًا مفتوحًا بلا أفق، بل هي سيرورة متجهة ـ رغم التعثرات والانكسارات ـ نحو طور أعلى من العدالة والاكتمال الإنساني.
القرآن، بوصفه النص المؤسس للرؤية الإسلامية للعالم، لا يقدّم التاريخ بوصفه عبثًا، بل يضع له معنى واتجاهًا، حيث تتكرر فيه فكرة الصراع بين الحق والباطل، مقرونة بوعد نهائي بانتصار الحق، ووراثة الصالحين للأرض، وتمكين المستضعفين. وهذا المعنى يمنح التاريخ بُعدًا غائيًا، ويجعل من المهدوية التعبير العقدي عن هذا الأفق النهائي الذي تتجه إليه البشرية، لا باعتباره حدثًا منفصلًا عن سنن التاريخ، بل بوصفه ذروة لتلك السنن.
ومن اللافت أن فكرة الاتجاه الغائي للتاريخ ليست حكرًا على الرؤية الدينية، بل ظهرت أيضًا في الفلسفات الحديثة، لاسيما عند كارل ماركس وفريدريك إنجلز، حيث صيغت ضمن إطار مادي يقوم على أن التاريخ يتحرك عبر صراع الطبقات نحو مجتمع شيوعي تتحقق فيه العدالة والمساواة. غير أن هذا الالتقاء في فكرة “نهاية التاريخ السعيدة” لا يخفي الاختلاف الجوهري في الأساس والمنطلق؛ فبينما تؤسس المهدوية هذا الأفق على سنن إلهية وقيم أخلاقية وروحية، فإن التصور الماركسي يربطه بالبنية المادية للتاريخ وتطور علاقات الإنتاج.
إن أهمية هذا التقاطع تكمن في أنه يكشف عن حقيقة أعمق، وهي أن الوعي الإنساني، بمختلف اتجاهاته، يميل إلى الاعتقاد بأن للتاريخ معنى، وأن الظلم ليس قدرًا نهائيًا، وأن البشرية قادرة ـ أو مقدّر لها ـ أن تبلغ طورًا أرقى من وجودها الحالي. غير أن المهدوية تضيف إلى هذا الميل الإنساني بُعدًا نوعيًا، إذ تربط بين العدالة الاجتماعية والهداية الأخلاقية، وبين التقدم الحضاري والنقاء القيمي، فلا يكون المجتمع المنشود مجرد نظام اقتصادي عادل، بل بنية إنسانية متكاملة تتوازن فيها المادة والروح.
وعلى هذا الأساس، يمكن إعادة فهم المهدوية خارج ثنائية “الانتظار السلبي” و”الحدث الغيبي المنعزل”، بوصفها رؤية تحفّز الفعل التاريخي ولا تعطّله، وتربط الإيمان بالمسؤولية، والرجاء بالعمل، وتجعل من فكرة المستقبل العادل قوة دافعة لإصلاح الحاضر، لا ذريعة للهروب منه. فالمهدوية، بهذا المعنى، ليست انسحابًا من التاريخ، بل اندماجًا أعمق فيه على أساس الوعي باتجاهه وغايته.
إن إعادة قراءة المهدوية ضمن هذا الأفق الحضاري تفتح الباب أمام إدماجها في مشروع أوسع لفهم التاريخ الإنساني، وتحريرها من القراءات الضيقة التي تحصرها في دائرة الجدل العقدي أو التوظيف السياسي، لتعود إلى موقعها الطبيعي كفكرة كبرى من أفكار الأمل الإنساني، وكإطار يربط بين السنن الإلهية وحركة التاريخ، وبين القيم العليا وإمكان تحققها في الواقع.
وبذلك يمكن القول إن المهدوية ليست مجرد عقيدة في “المخلّص المنتظر”، بل هي ـ في جوهرها العميق ـ فلسفة حضارية للتاريخ، ترى أن البشرية، عبر مسار طويل من الصراع والتراكم، تتجه نحو لحظة اكتمال أخلاقي وحضاري، يتجسد فيها انتصار العدل، وقيام المجتمع الإنساني السعيد.