الجمعة - 03 يوليو 2026
منذ 3 أشهر
الجمعة - 03 يوليو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

في الشرق الأوسط كثيراً ما لا تكون التهدئة نهاية الصراع ، بل قد تكون إحدى أدواته ، ومن هذا المنظور يصعُب التعامل مع وقف إطلاق النار القائم بين الولايات المتحدة وإيران بوصفه تسوية مُستقرة أو أختراقاً نهائياً بقدر ما يبدو حتى الآن هُدنة مشروطة ، ومُؤقتة ، ومُحملة بعوامل قابلة للانفجار أكثر من كونها مُرتكزاً صلباً للسلام .

المعطيات السياسية والميدانية حتى نيسان 2026 تشير إلى أن ما جرى أقرب إلى تجميدٍ مُؤقت للأشتباك منه إلى تسوية حقيقية ومُستقرة ، فالإعلان الأمريكي عن هُدنة محددة زمنياً ، وما أعقبه من تضارب في تفسير الالتزامات ، كشف أن الطرفين لم يبلغا بعد تعريفاً مُشتركاً لمفهوم “الاتفاق” ذاته ،

ولم يكن هذا التباين مُجرد تفصيل إجرائي عابر ، بل عكس أزمة أعمق تتصل بتآكل الثقة ولا سيما من الجانب الإيراني أستناداً إلى تجارب سابقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ، فضلاً عن تباين الأهداف والرؤى الاستراتيجية ، وتناقض تصورات كُل طرف لشروط الخروج من الأزمة وحدود التسوية الممكنة .

من هذه الزاوية ، تبدو الهُدنة الحالية أقرب إلى “أستراحة أستراتيجية” تمنح جميع الأطراف وقتاً لإعادة التموضع ، أكثر من كونها أنتقالاً فعلياً إلى مسار تسوية .

واشنطن ، التي تواجه تعقيدات الردع وتكاليف الانزلاق إلى حرب أوسع تبدو معنية بأستخدام التهدئة لإبقاء الضغط قائماً دون الانخراط في حرب مفتوحة .

وفي المقابل ، تتعامل طهران مع الهُدنة بوصفها فُرصة لالتقاط الأنفاس ، وإعادة تنظيم أوراقها التفاوضية والعسكرية ، دون تقديم تنازلات تمس عناصر القوة الأساسية لديها ، وفي مُقدمتها ملف التخصيب ، وأمن مضيق هرمز .

وهُنا تبرز العُقدة الجوهرية هي أن الأزمة لم تكُن عسكرية خالصة كي تُحل بوقف إطلاق نار ، بل هي أزمة بُنيوية تتعلق بتوازن الردع ، والبرنامج النووي ، والعقوبات ، وأمن الطاقة ، ودور إسرائيل في معادلة الصراع ، ما دامت هذه الملفات مفتوحة ، فإن أي تهدئة تبقى قابلة للنكوص .

إن تعثُر مُحادثات “إسلام آباد” عزز هذا التقدير ، إذ أظهر أن القضايا الجوهرية ما تزال خارج نطاق التسوية رغُم الوساطات المُكثفة التي قادتها باكستان بدعم إقليمي ، كما أن أستمرار التهديدات المُتبادلة بشأن العودة إلى العمليات العسكرية ، إذا فشلت المفاوضات في إنتاج تفاهم أوسع يجعل الهُدنة الحالية أقرب إلى وقف إطلاق نار تحت الاختبار .

لكن البُعد الأكثر أهمية ربما لا يكمن في واشنطن وطهران وحدهما ، بل في التحولات الإقليمية المصاحبة .

فالسعودية ، التي تتعامل ببراغماتية مُتزايدة مع بيئة أمنية مُتغيرة تبدو أكثر ميلاً إلى تنويع خياراتها الأمنية والدبلوماسية لا سيما في ضوء ما تعتبره محدودية الضمانات الأمريكية التقليدية .

هذا لا يعني قطيعة مع واشنطن ، لكنه يُشير إلى إعادة تعريف للعلاقة ، وإلى سعي خليجي مُتدرج نحو تقليل الاعتماد الأحادي على المظلة الأمريكية ، وهو تحول لا يمكن عزله عن الأزمة الراهنة .

وفي هذا السياق ، فإن الحديث عن “خُدعة مُؤقتة” ليس توصيفاً دعائياً بقدر ما هو فرضية مطروحة في أدبيات التقدير الاستراتيجي ، خاصة مع بروز تحذيرات من أن بعض الأطراف قد تستخدم التهدئة لإعادة التموضع العسكري أو أختبار خيارات هجومية لاحقة غير أن المُقاربة المهنية تقتضي الحذر من تحويل هذه الفرضية إلى حقيقة محسومة ، لأن المشهد لا يزال مفتوحاً على أكثر من أحتمال :

الاحتمال الأول : يتمثل في نجاح الضغوط المُتبادلة في دفع الطرفين نحو تفاهم مرحلي أوسع ، قد يشمل ترتيبات تخص الملاحة ، ومستوى التخصيب ، وآليات رقابة مُتبادلة ، وهو سيناريو يمنح المنطقة هُدنة أطول ، لكنه لا ينهي أصل الأزمة .

الاحتمال الثاني : وهو الأكثر حساسية فيتمثل في أنهيار التهدئة مع فشل المسار التفاوضي لتعود المُواجهة ، ولكن ضمن قواعد أشتباك أكثر خطورة ، وربما بأدوار إقليمية أوسع خصوصاً إذا تداخلت الحسابات الإسرائيلية والأمريكية والإيرانية بصورة أكثر مُباشرة.

الاحتمال الثالث : وهو الأقل تداولاً لكنه قائم ، أن تتحول الهُدنة الهشة إلى نمط جديد من “اللا حرب واللاسلم”، حيث يستمر الردع المُتبادل ، وتُدار الأزمة عبر جولات ضغط مُتقطعة دون حسم ولا أنفجار شامل .

أستراتيجياً ، لا يبدو أي طرف راغباً في حرب كُبرى الآن ، لكن غياب الرغبة لا يعني غياب الاحتمال ، فكثير من الحروب في المنطقة لم تبدأ بقرار واضح ، بل بأنهيار حسابات الردع وسُوء تقدير النوايا .
لذلك ، فإن توصيف الهُدنة الراهنة بوصفها سلاماً سيكون مُبالغة فيه ، كما أن وصفها مُجرد خُدعة خالصة قد يكون تبسيطاً مُخلّاً .

الأدق أنها “هُدنة فوق فُوهة بُركان” محكُومة بتوازن هش بين الدبلوماسية القسرية والردع المُتبادل وقُدرتها على البقاء مرهونة بما إذا كانت ستتحول إلى تسوية ، أم إلى مُجرد تأجيل مُؤقت لأنفجار أكبر .

ختاماً .. إن ما يجري اليوم ليس أختباراً لعلاقة واشنطن بطهران فقط ، بل هو أختبار لمُستقبل النظام الأمني في الشرق الأوسط برمته ، والفرق بين الهُدنة والخديعة ، في مثل هذه اللحظات ، لا تُحدده البيانات الرسمية ، بل ما ستكشفه الأيام التالية على الأرض …!