أحذروا غدرَ من لا عهدَ له ولا ميثاق..!
طه حسن الأركوازي ||

في لحظات التوتر الكُبرى ، لا تكتفي الحروب بالكشف عن موازين القوى فحسب ، بل تُمارس دوراً “تعروياً” يكشف الوجوه على حقيقتها ، فتبرز خفايا الغدر ، والمراوغة ، ونقض المواثيق ، ومع كًُل هُدنة تُعلن في المنطقة ، يفرض السؤال نفسه من جديد :
هل نحن حقاً أمام خطوة جادة نحو التهدئة المُستدامة ، أم أنها مجرد “أستراحة تكتيكية” يُعاد فيها ترتيب الأوراق لجولة صراع أكثر ضراوة .؟
لقد قدّم القرآن الكريم قراءة عميقة لمسألة نقض اليهود للعهود والمواثيق ، كما في قوله تعالى : { أَوَ كُلمَا عَاهدُوا عَهداً نَبذهُ فَريقٌ مِنهُم بَل أَگثرهُم لَا يُؤمِنُون } ، وهي آية لا تقف عند حدود السرد التاريخي ، بل تفتح أفقاً لفهم نمط من السلوك حين تتحول العهود إلى أدوات ظرفية تُحترم ما دامت تخدم المصلحة ، وتهمل حين تتغير المعادلات .
كما يورد القرآن الكريم نماذج أخرى تتصل بتحريف الكلام عن مواضعه ، ونقض المواثيق ، وتقديم المكاسب الآنية على الالتزام القيمي ، في سياق يعكس خللاً في ميزان الوفاء بالعهد .
هذه الدلالات ، حين تُقرأ بعين تحليلية لا تُستحضر بوصفها حكُماً جامداً ، بل بأعتبارها توصيفاً لنمط يمكن أن يتكرر متى ما توافرت أسبابه ، وهنا تحديداً يفرض الواقع السياسي نفسه بوصفه أمتداداً مُعاصراً لهذا الجدل القديم بين “العهد” و”المصلحة”.
في المشهد السياسي الراهن ، تبدو الهدنة التي أُعلن عنها في سياق التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ، وإيران من جهة أخرى ، مثالاً جلياً على التعقيد الذي يغلف دبلوماسية الأزمات ، فبينما يشي الإعلان الظاهري بوقفٍ لإطلاق النار ، إلا أن هذه الخطوة سُرعان ما أصطدمت بمُؤشرات ميدانية وسياسية مُتناقضة نقلتها كُبرى وسائل الإعلام الدولية .
وتجلى هذا التناقض بوضوح في لغة الرئيس “ترامب” الذي أكد بلهجته الحازمة ” أن الجيش الأمريكي العظيم لا ينهي مهمته ، بل يأخذُ قسطاً من الراحة لإعادة تنظيم صفوفه أستعداداً للمعركة المقبلة ” .؟
وهو ما يعكس قراءة مغايرة لمفهوم التهدئة ، ومن خلال هذا الخطاب ، يتضح أن التفاهمات القائمة لا تتضمن التزاماً جذرياً بإنهاء حالة الحرب ، بل تقتصر على ترتيبات أمنية وزمنية مؤقتة تخدم أهدافاً تكتيكية مُحددة .
وفي السياق ذاته ، عززت هذه الرؤية تصريحات منسوبة لمسؤولين أمريكيين أفادت بأن القوات في المنطقة تستعد فعلياً لمرحلة لاحقة من المواجهة ، مما يؤكد فرضية أن الهدنة لم تكن يوماً نهاية للمسار الصدامي ، بل هي مُجرد أداة من أدوات إدارته وتوقيته ، بأنتظار لحظة تحول جديدة في موازين القوى .
أما على الجانب الإسرائيلي ، فقد أُشير إلى أن رئيس الوزراء “نتنياهو” أبدى تحفظاً على طبيعة الاتفاق قبل إعلانه ، وفق ما تداولته قنوات إعلامية من بينها “القناة 13” الأسرائيلية ، وهو ما يعكس وجود تباين في المواقف التكتيكية لا في الأهداف الاستراتيجية ، هذا التباين لا يلغي حقيقة أن هُناك تقاطعاً في إدارة الصراع ، يقوم على إبقاء الضغط قائماً ، مع تجنب الانفجار الشامل في هذه المرحلة .
الأكثر دلالة هو ما تردد عن خروقات ميدانية أعقبت إعلان التهدئة ، سواء عبر ضربات جوية أو تحركات عسكرية غير مباشرة ، هذه الوقائع تضع الهُدنة في إطارها الحقيقي “ليست التزاماً صلباً ، بل أداة مرنة تُستخدم لإعادة التموضع ، وترتيب الأولويات ، وأختبار ردود الفعل” ، وهنا يتجلى بوضوح مفهوم “نقض العهد” بصيغته الحديثة ، حيث لا يتم الإعلان عن الانسحاب من الاتفاق ، بل يتم تفريغه تدريجياً من مضمونه ومحتواه .؟
في المقابل ، تنظر إيران إلى هذه التطورات من زاوية مُختلفة ، تستند إلى تجربة طويلة مع الاتفاقات غير المُستقرة والضغوط المُتواصلة ، ما يجعلها تتعامل بحذر مع أي تهدئة لا تستند إلى ضمانات “أمُمية ودولية” واضحة ، هذا الحذر لا يعني رفض التهدئة بقدر ما يعكس إدراكاً لطبيعة الصراع ، حيث لا تُقاس النوايا بالتصريحات ، بل بالأفعال على الأرض ، ولا يمكن إغفال دور بعض الأطراف الإقليمية التي تظهر في المشهد بأدوار مُتداخلة ، أحياناً تحت عناوين دبلوماسية ، وأحياناً عبر تحركات ميدانية غير مُباشرة ، فالتقارير التي تحدثت عن ردود أو مشاركات عسكرية بعد إعلان وقف إطلاق النار ، تشير إلى أن الصراع لم يعد محصوراً في محورين ، بل أصبح شبكة مُعقدة من التداخلات ، تُضعف من فرص الالتزام بأي أتفاق ، وتفتح المجال أمام خروقات يصعب ضبطها .
إن أستحضار النصوص الدينية في هذا السياق لا يهدف إلى إطلاق أحكام عامة ، بل إلى تسليط الضوء على مفهوم محوري :
“أن العهد حين لا يُبنى على التزام حقيقي ، يتحول إلى أداة ظرفية” ، وهذا ما تؤكده تجارب التاريخ ، كما يعكسه الواقع السياسي المُعاصر ، حيث تتكرر أنماط السلوك وإن اختلفت السياقات .
وفي ضوء ما يجري ، تبدو المنطقة أمام مرحلة دقيقة من “أختبار الإرادات” حيث تسعى كُل الأطراف إلى تثبيت مواقعها دون تقديم تنازلات جوهرية .
لكن هذا التوازن الهش القائم على هُدنة قابلة للخرق في أي لحظة يجعل من أحتمالات التصعيد قائمة ، بل ومُرجحة إذا ما أختل ميزان الردع أو تغيّرت الحسابات .
ختاماً .. المواقف التي تفرض نفسها اليوم تؤكد أن الهُدنة لم تعد تعني بالضرورة التهدئة ، وأن الاتفاقات لم تعد ضمانة بحد ذاتها ، بل أصبحت جُزءاً من أدوات الصراع ، وبين نصٍ وثّق نقض اليهود للعهود في سياق تاريخي ، وواقعٍ يعيد إنتاج هذا المنطق بأدوات حديثة ، يبقى السؤال مفتوحاً هو هل يمكن بناء التزام حقيقي في بيئة تُدار فيها الصراعات بمنطق المصلحة أولاً ، أم أن العهد سيظل كما في كثير من المحطات رهينة التوازنات لا القيم …!




