بين إرادة شعب وحِكمة القيادة: كيف تُصنع معادلة النصر والصمود في زمن الحرب .؟
طه حسن الأركوازي ||

في لحظة إنسانية عابرة ، لكنها مُثقلة بالدلالات ، أستمعتُ إلى شهادة لعائلة بريطانية من أصول إيرانية ، وجدت نفسها عالقة داخل إيران مع أندلاع الحرب الأخيرة ، لم تكن الكلمات التي قيلت مُجرد تعبير عن خوف أو قلق ، بل كانت أنعكاساً عميقاً لمعنى الانتماء والولاء في زمن الأزمات .
الزوجة ، وهي تغالب دموعها قد أطلقت دعُاءاً غاضباً ضد كُل من يسعى لتدمير وطنها ويقتُل شعبها .؟
بينما أختصر الزوج ، الذي يملك مطعماً في لندن ، موقفه بعبارة بدت للوهلة الأولى بسيطة ، لكنها تحمل في طياتها معنى التضحية : “كُل شيء فداء لإيران ، وطني وشعبي”.؟
هذه الشهادة ، رغُم بساطتها لكنها تفتح نافذة لفهم أعمق لطبيعة التماسك الداخلي الذي قد تمتلكه بعض المجتمعات وفي مُقدمتها”أيران” تحت الضغط ، وكيف يتحول الشعور الوطني إلى عامل صمود يتجاوز الحسابات المادية والمصالح الفردية ، فعلى الرغم من حصار قاسٍ وجائر أمتد لنحو “سبعة وأربعين” عاماً إلا أن أمتلاك قيادة وحكومات تتسم بالحكمة والشجاعة يمكن أن يمنح الدول قُدرة ملحوظة على تجاوز الأزمات .
ومع ذلك ، فإن هذه الصورة على أهميتها لكنها لا تكفي وحدها لتفسير مشهد مُعقد تتداخل فيه أعتبارات السياسة الدولية ، وحسابات الردع ، وتوازنات القوة الإقليمية .
التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ، وإيران من جهة أخرى ، لم يأتِ في فراغ ، بل هو أمتداد لمسار طويل من التوترات المرتبطة بالملف النووي الإيراني، والنفوذ الإقليمي، وشبكة التحالفات المتشابكة في الشرق الأوسط. وتشير تقديرات صادرة عن مؤسسات بحثية “معهد بروكينغز” و”مجموعة الأزمات الدولية” إلى أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة “اختبار الإرادات”، حيث لم يعد الهدف إدارة التوتر، بل إعادة رسم حدود النفوذ وقواعد الاشتباك.
في هذا السياق، تبدو إيران وكأنها تعتمد على مزيج من الصبر الاستراتيجي والردع غير المباشر، مستفيدة من خبرة تراكمت عبر عقود من العقوبات والعزلة ، تقارير “الوكالة الدولية للطاقة” تشير إلى أن طهران نجحت ، رغم الضغوط ، في الحفاظ على قدر عالي من الاستقرار في بُنيتها الاقتصادية الحيوية ، خصوصاً في قطاع الطاقة ، وهو ما يمنحها هامش مناورة في أوقات الأزمات .
في المقابل ، تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل معضلة مركبة ، فالتصعيد العسكري ، مهما كان محدوداً ، يحمل في طياته مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع يصعب أحتواؤها ، كما أن الداخل الأمريكي الذي يعُاني أصلاً من أنقسامات سياسية حادة ، يُراقب بقلق أي أنخراط عسكري جديد قد يتعارض مع أولويات الناخبين ، وهو ما أشار إليه عدد من التحليلات صحفية “وول ستريت جورنال و أكسيوس” ، حيث تم تسليط الضوء على التباين بين الخطاب السياسي والواقع الاستراتيجي .
أما على المستوى الإسرائيلي ، فإن أي مُواجهة مفتوحة مع إيران تحمل أبعاداً تتجاوز الحسابات العسكرية ، لتشمل تداعيات أمنية داخلية وإقليمية ، خصوصاً في ظل تعدد الجبهات المحتملة ، وهو ما يجعل من خيار “الضربات المحدودة” أداة تكتيكية ، لكنها غير كافية لتحقيق حسم أستراتيجي .
ضمن هذا المشهد ، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية ، وهو الاقتصاد السياسي للحرب ، فصُناعة السلاح ، التي تُعد أحد أبرز المُستفيدين من أستمرار النزاعات ، تُراقب التطورات عن كثب ، تقارير أقتصادية ، من بينها ما نشرته صحيفة “فاينانشال تايمز” تُشير إلى أن شركات الدفاع الغربية رفعت من وتيرة إنتاجها تحسباً لسيناريوهات أستنزاف طويلة ، وهو ما يعكس تداخلاً مُعقداً بين القرار السياسي والمصالح الاقتصادية ، ورغم كُل هذا التعقيد ، فإن أي حديث عن “نصر” أو “هزيمة” في مثل هذه الصراعات يبقى نسبياً ، لكن مع ذلك تُشير بعض المؤشرات إلى أن “إيران” تمكنت من تحقيق قدر من التفوق في إدارة هذه المواجهة ، سواء على مستوى الصمود أو في فرض مُعادلات ردع جديدة .
فالحروب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بالنتائج الميدانية ، بل أيضاً بالقُدرة على التحمل ، وإدارة الأزمات ، والحفاظ على التماسك الداخلي ، ومن هذا المنظور ، يُمكن فهم كيف أن الخطاب الذي يُمجد الصمود الشعبي أو القيادة السياسية ، رغم أهميته المعنوية ، يحتاج إلى قراءة أكثر توازناً تأخذ في الاعتبار الكُلفة البشرية والاقتصادية ، فضلاً عن تداعيات المدى البعيد .
إن ما تشهده المنطقة اليوم ليس مُجرد مُواجهة عسكرية ، بل أختبار حقيقي لقُدرة الأطراف المُختلفة على تجنب الانزلاق إلى سيناريوهات أكثر خطورة ، فالتاريخ الحديث مليء بأمثلة لصراعات بدأت بضربات محدودة ، وأنتهت بحروب شاملة غيرت ملامح النظام الدولي .
ختاماً .. إن ما يجري اليوم في المنطقة ليس مُجرد جولة صراع عابرة ، بل أختبار حقيقي لوعي القيادات وقدرتها على الفصل بين المكاسب التكتيكية ، والمصالح الاستراتيجية بعيدة المدى ، فالتصعيد قد يمنح نُقاطاً آنية ، لكنه يحمل في طياته مخاطر أنفجار شامل قد لا يملك أحد السيطرة عليه .
الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على كسب الحرب ، بل على تجنبها ، ولا على تسجيل الانتصارات الإعلامية ، بل على حماية أستقرار الشعوب ، ومن هنا ، فإن المسؤولية تقع على عاتق جميع الأطراف في تغليب لغُة التهدئة ، وإعادة تفعيل المسارات الدبلوماسية ، والقبول بحلول توازن المصالح بدلاً من سياسات كسر الإرادات.
فالمنطقة لم تعد تحتمل حربُاً جديدة ، وأي خطأ في الحسابات قد يدفع بها إلى مسار أكثر خطورة ، تكون كُلفته أكبر بكثير من أي مكسب متوهم “بين منطق القوة و منطق الحكمة” يبقى الخيار الذي ستتخذه الأطراف اليوم هو ما سيحدد شكل الشرق الأوسط في السنوات القادمة …!




