الأربعاء - 10 يونيو 2026
منذ 3 أشهر
الأربعاء - 10 يونيو 2026

إيليا إمامي ||

في ذروة الحرب العالمية الثانية.. لم تكن بريطانيا تنتصر بالخطابات وحدها.. فقد كانت أضعف بكثير من ألمانيا وحلفائها.. بل صمدت بتماسك مجتمعها خلف قرار الدولة.. لأن تشرشل ومن معه كانوا يمتلكون سردية ثقافية قوية جداً ومقنعة للشعب.. الذي بقي يساندهم حتى النهاية.

وبعبارة أوضح.. من (يدير) وتيرة الحرب هم أهل الميدان.. ولكن من (يديم) هذه الوتيرة هو التماسك الداخلي.. الذي يتكون بوجود قائد يحظى بالثقة أولاً.. وبقوة السردية ثانياً.
أما مجرد الانفعالات العاطفية دون قدرة السرد والإقناع.. فسرعان ما تتلاشى ولا تستطيع تغذية الحرب وإدامتها.. خصوصاً لو كانت انفعالات عشوائية لا تعرف ماذا تريد بالضبط.

هذه قاعدة لا تتغير.
واليوم مع استشهاد السيد الخامنئي قدست نفسه.. ترتفع أصوات تطالب المرجعية في النجف بمواقف أكثر انفعالاً.. وكأن المطلوب كلمات أشد حرارة.. لا حسابات أدق.
لكن لنضع الأمور في نصابها.

من بيده صعود ونزول وتيرة الحرب فعلياً؟
من يقرر متى يصعّد ومتى يهدّئ؟
إنهم الإيرانيون أنفسهم.. ومؤسساتهم الأمنية والعسكرية.. وفي مقدمتها الحرس.
هؤلاء هم من يملكون المعطيات.

هم من يقدّرون الكلفة.
هم من يحددون السقف.
فهل المطلوب من المرجعية أن تدخل في سباق كلمات؟

أم المطلوب أن تعزّز التضامن معهم.. وتمنع أي ارتباك داخلي قد يربك قرارهم؟
والمفارقة أن من يهاجم المرجعية لا يقدّم تصوراً واضحاً عمّا يريده تحديداً.
ما هو المطلوب بالضبط؟

بيان تصعيدي أعلى؟
إعلان مواقف توسّع دائرة النار؟
خطوات عملية محددة؟

لو كان المطلوب واضحاً.. لأمكن أن نناقشه: هل هو في مصلحتنا أم لا.
لكن الخطاب غالباً لا يتجاوز حدود الانفعال.. وينتهي إلى جملة مختصرة:
أنا ضايج… شوفولي حل.

هكذا لا تُدار الدول.
ولا تُحفظ الشعوب.
ثم دعني أتكلم بوضوح أكبر..

بعض الجهات تستهدف المرجعية منذ فترة.. وتنتظر كل حدث عسير لتعيد الهجوم.
في أول احتلال العراق شاهدنا نفس الطريقة..

في شهادة السيد نصر الله.. ظهرت الحملة نفسها..
واليوم في شهادة السيد الخامنئي.. تتكرر اللغة ذاتها.
وفي كل أزمة.. تُستدعى العاطفة.. وتُحاكم المرجعية من خلالها.

لكن لنذهب إلى جوهر المسألة..
أخطر تحدٍ أمام إيران ليس الخارج.. بل الداخل.. كما كان حال بريطانيا في الحرب.

الخارج مهما اشتد.. لا يحسم إن كان الداخل موحداً.
أما إذا تصدع الداخل.. فالمعركة خاسرة قبل أن تبدأ.
وهنا نفهم وزن كلمة السيد السيستاني حين يؤكد على رص الصفوف في معركة قد تطول.

هو يخاطب ملايين.
ملايين من المقلدين داخل إيران نفسها.
لمن لا يعلم.. فمقلدوه يشكلون عصباً مهماً في مدن إيران الكبرى مثل طهران ومشهد وقم وأصفهان.. وقد يساوي عدد مقلديه أو يتجاوز عدد مقلدي السيد علي الخامنئي قدس سره في بعض هذه المدن (من يريد النقاش في دقة هذه الأرقام نلتقي بعد الحرب وبخدمتك).

تخيّل أثر هذه الحقيقة.
حين يدعوهم إلى منع شق الصفوف.. فهو يبعث رسالة واضحة إلى مقلديه على الأقل:

هذه ليست الحرب التي تروج لها بروباغندا أعدائكم.. (الذين لديهم أكثر من 100 وسيلة إعلان ناطقة بالفارسية).
ليست حرباً على مجرد كرسي..
ليست دفاعاً عن سلطة أشخاص.
بل جبهة حق تحاول الحفاظ على تماسكها ومنعتها.

تذكر مرة أخرى .. لو كان المرجع الأعلى يلقي بهذه الكلمة لمقلديه فقط .. وفي إيران فقط.. بقطع النظر عن بقية العالم.. فهو في هذه اللحظة يمنع الارتباك.. يصد الفوضى.. يوقف أي تحرك قد يربك الساحة الداخلية.
ولكي تفهم الخريطة جيداً أنظر إلى العراق..
كم من مقلدي السيد السيستاني اليوم متضامنون؟
أجزم لك أن الغالبية ممن ينزلون إلى الشارع.. ويحتجون.. ويتحركون.. هم من مقلديه.

وفي إيران أيضاً.. له مقلدوه.. وهو وإن كان يخاطب كل الأمة الإيرانية التي تراه أباً تثق به.. لكن كما قلنا.. لنفترض أنه على الأقل يخاطب مقلديه.. ويريد منهم شيئاً واحداً:
تكليفكم مثل بقية اخوانكم.. لا تُربكوا الساحة.. لا تشقّوا الصف..كونوا عنصر تثبيت.. لا عنصر توتر.

هذه ليست برودة.
هذه إدارة معركة.

التصعيد الميداني بيد من يملك أدواته.
أما المرجعية.. فوظيفتها حماية العمق الاجتماعي.. ومنع الانقسام.

الكلمة التي تمنع فتنة داخلية.. أخطر على العدو من خطاب حماسي عابر.
المعركة ليست مسابقة خطب.

المعركة معادلة بقاء.
ومن يفهم البقاء.. يعرف أن أول الجبهات هي الداخل.
وأن أعظم خدمة في زمن النار.. هي أن تمنع اشتعال البيت من داخله.

https://t.me/AiliaEmame1185