الثلاثاء - 09 يونيو 2026
منذ 4 أشهر
الثلاثاء - 09 يونيو 2026

كوثر العزاوي ||

روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنهُ قال:
{لوِ اعتَبَرتَ بِما أضَعتَ مِن ماضي
عُمرِك ،لَحفِظتَ ما بَقِي.} غرر الحِكم.

ثمة أشياء في الحياة لا تخضع للتجربة، وحينما تخضع لأي سبب، سيكون هناك درس، وثمن الدرس باهظًا جدًا، فالعاقل مخوَّل في سبر غور الحياة ليستفيد، ويبحث عما يُشبِع فضولَه في طريق التكامل والإرتقاء، وإلّا فالمخاطرة “بالروح” أمر مُكلِف!.

الروح تلك النقطة المضيئة في خِلْقة بني البشر، هي حقيقة الإنسان من أمر ربّه، وشخصيّته الواقعيّة، وهي نفسه وذاته، أما فيما يمثّل الجسد أو البدن قِبالها، فهو ما يشبه الآلة واللباس لها وحسب وهو أيضا خاضع تنقية.

ولأهميتها عند بارئها -الروح- فقد جعلها هي مَن تبقى حيّة بعد أن يفنى الجسد، لذا نرى القرآن عندما يتحدّث عن الرفات وتلاشي الجسد، نراه يرجع فيعبّر عن صاحبه، -أي صاحب الجسد- بأنّه حيّ، كوصف الشهداء بعد مماتهم في قوله تعالى:
{وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ} البقرة ١٥٤.
وهذه إشارة إلى تلك الحقيقة -الروح- التي بها يَحيا الجسد ويُشرق، ومَن لها بُعدٌ نفيسٌ وراء البدن، فتبقى حيّة بعد تحوّل الجسد إلى رفات!.

ومن هذا المنطلق السامي، لاينبغي لمن يَفهم معنى روحَهُ بأَبعادها الراقية أن يضعها موضع التوهين، لدرجة بخسِ قيمتها، ولا تَهوينها لدرجة الإضعاف والنزول بها من هرم الكرامة وقمّة الإعتبار إلى منحدر الذلة والهوان!.

كلا، بل الجدير بصاحب الروح المتسامية الطموحةِ إلى القرب الإلهي، صيانتها من الإنكفاء والإنطفاء، لأنّ الله “عزوجل” قد خوَّلَهُ بسياحة الأرض ليختار منها أجملها وأصلحها لروحه، فيصطفي مَن يزرعهم في واحتها بدقة، ومن الحكمة أن نفهم، “أنّ اختيار البذور أسهل من إقتلاع الأشجار بعد التجذّر والتمدّد في فناء الروح”.

إنّ “تعلّق الروح” بالأشياء وبما يجانسها من البشر والطبيعة أمرٌ معقّد، لما له من نتائج عكسية غالبًا، فمن نتائج التعلّق كما يقول الحكماء:

انّه يسلب شفافية روح الانسان ويمنعهُ من إظهار نوره الربّاني، ويُعتِم طريق الوصول إلى الهدف الأسمى! وبذلك يُصبح من السهل فقدان المتعلِّق فرصةَ اكتشافه لحقيقة روحه، مما يفضي الى التخبط، واستبدال جمالها بالظلام، ليرى نفسه في بئر مَن تعلّق به من علائق الدنيا! وهنا لابد من تدارك الأمر.

فليس أمام المريد إلّا الاعتدال في علاقته بالناس والممتلكات، من أجل إكمال المسير الصحيح لوجوده الروحانيّ، ولابد من امتلاك الهمّة والشجاعة، للسماح لروحه الشفافة أن تتحرّر من هيمنة التعلّق بالأغيار، والدخول في رحلة التشافي والإنعتاق.

وليبقَ القلب مااستطاع متعلقًا بالعرش والملكوت، كما وصف أمير المؤمنين “عليه السلام” العلماء الصادقين: {صَحِبُوا اَلدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ اَلْأَعْلَى}.
وذات الأمر يشير إليه ماورد في مقطع من المناجات الشعبانيّة:

« اِلـهي هَبْ لي كَمالَ الانْقِطاعِ اِلَيْكَ، وَاَنِرْ اَبْصارَ قُلُوبِنا بِضِياءِ نَظَرِها اِلَيْكَ، حَتّى تَخْرِقَ اَبْصارُ الْقُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ فَتَصِلَ اِلى مَعْدِنِ الْعَظَمَةِ، وَتَصيرَ اَرْواحُنا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِكَ »
فإذا استطاع الإنسان أن يتخلّص من كلّ شيء سوى الله تعالى وانقطع إليه كمال الانقطاع ـ وهذا لا يكون إلّا بموهبة منه تعالى وتوفيق وتسديد منه للإنسان ـ عند ذاك يصبح قلبه هو ذاك القلب النيّر، وتلك الروح المستنيرة بنور الله تعالى، وما دون الله تعالى هو الحجاب الذي يحجب النور الإلهي عن الاشعاع على القلب فيبقى القلب يعيش في ظلمة التعلّق بعوالم المادة والشهوات.

٢٥-شعبان المعظم-١٤٤٧هـ
١٤-شباط-٢٠٢٦م