الأربعاء - 10 يونيو 2026

💎جواهر عَلَويَّةٌ: مَنْ أَنْصَفَ أُنْصِــفَ..!

منذ 6 أشهر
الأربعاء - 10 يونيو 2026

السيد بلال وهبي ـ لبنان ||


📢 رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: “مَنْ أَنْصَفَ أُنْصِــفَ”

الإنصاف: هو أن يُعطي الإنسانُ غيرَه حقَّه، ويأخذ حقَّه بالعدل، دون إفراط ولا تفريط، وأن يرضى بالحقّ عليه كما يرضى به له، فيُنصِف غيرَه من نفسه من غير حاجة إلى أن يثبت الآخرُ حقَّه بالبيِّنة. هذه خلاصةُ ما ذكرته معاجمُ اللغة العربية في معنى الإنصاف.

وبذلك يتّضح لنا أن الإنصاف وإن كان يرتكز على العدل، فإنه يسمو عليه؛ فالعدل هو القاعدة، والإنصاف هو القمّة. العدل مبدأ كوني وتشريعي، به قام الكون، وعليه يقوم المجتمع ويستقر، وبه تُصان الحقوق ويُمنَع التعدّي، بحيث يُعطى كلُّ ذي حقٍّ حقَّه وفق الموازين الظاهرية.

أمّا الإنصاف فهو العدل وقد استقرّ في وجدان الإنسان وضميره الحي، مضافًا إليه الرحمة، والتجرّد من الأنا، وتجاوز المصلحة الشخصية، والتمثُّل بفضل الله ولطفه.

وبكلمة أخرى: العدل يزن الأمور بالميزان، والإنصاف يزنها بالضمير والوجدان. والعدل يبدأ من سؤال الشخص: ما الذي يجب عليَّ فعله؟ بينما يبدأ الإنصاف من سؤال: ما الذي يليق بي أن أفعله؟ والعدل يقيم المجتمعَ المتوازن، أمّا الإنصاف فيقيم الإنسانَ السويَّ المتوازن. والعدل قد يفعله الشخص من تلقاء نفسه، وقد يُفرَض بالقانون أو بالقوة، بينما يفرض الإنصافُه وجدانُ الإنسان وضميرُه والتزامُه الأخلاقي.

وعليه: فالمُنصِف هو الذي لا يُجبَر على العدل وإعطاءِ الحقوق لأهلها، بل يؤدي ذلك من تلقاء نفسه. بل يمكننا القول إن المنصِف ينصِف غيرَه ولو على حسابه الشخصي، فيُعطي الآخرَ حقَّه ولو أدّى ذلك إلى أن يُنقِص من نفسه.

وبهذا نفهم معنى أن يكون الإنصافُ أفضلَ الفضائل، كما جاء في الحديث عن الإمام أمير المؤمنين (ع)، وفي الروايات الشريفة التي تحثّ على إنصاف الآخر من النفس، والتي أعلنت أن الإنصاف أفضلُ الفضائل والشِّيَم، وأن: “نِظامُ الدِّينِ خَصلَتانِ: إنصافُكَ مِن نَفسِكَ، ومُواساةُ إخوانِكَ” وأن: “أَحَبُّ الأُمُورِ إلى اللهِ سُبْحَانَهُ إِنْصافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ” وأن من أبرز سمات المؤمن أنه يُنصِف من لا يُنصفه.

وممّا لا شكّ فيه أن إنصاف الناس من النفس يعني أن يبدأ المرء بنفسه، فيُعطي الآخرين حقوقهم بإرادته واختياره. ولا يفعل ذلك إلا من بلغ مرتبة عالية جدًّا من الأخلاق، بحيث لا يرى صاحبَ الحقِّ خصمًا، بل مرآةً يختبر بها صدقَ عدله وسموَّ أخلاقه.

فالإنصافُ من النفس هو ذروةُ العدل والإنصاف؛ إذ إن أكثر الناس يسهل عليهم أن يطالبوا بحقوقهم، أو يطالبوا بحقوق الآخرين من آخرين، ولكن القليل منهم مَن يقف وقفةَ صدق مع ذاته ليُعطي الحقَّ لمستحقّه، ولو كان ذلك على حسابه.

ألا ترى ـ أيها القارئ الكريم ـ أن أكثر الناس يطالبون بالعدل ويُثنون على المنصِف، لكنهم لا يمارسون الإنصاف في بيوتهم، فلا ينصفون أزواجهم ولا أبناءهم ولا إخوانهم ولا جيرانهم، ولا ينصفون الآخرين من أنفسهم؟!

إذن: حين يكون الإنسان منصفًا في قوله وفعله، يُحدث ذلك أثرًا نفسيًا وروحيًا واجتماعيًا في الآخرين؛ فالناس بطبعهم يميلون إلى مَن يُنصِفهم، حتى لو اختلفوا معه.

ومن ثَمّ، فإن إنصافه لهم يُوقظ ضمائرهم، فينصفونه كما أنصفهم.

ولذلك جاء التعبير عن هذا في كلام الإمام أمير المؤمنين (ع) بصيغة النتيجة الحتمية: “مَن أَنْصَفَ أُنصِفَ”.

فجر يوم الأربعاء الواقع في: 3/12/2025 الساعة (04:55)