الخميس - 11 يونيو 2026

المقال بين الإطالة والاختصار… أيّهما يخدم الحقيقة؟!

منذ 6 أشهر
الخميس - 11 يونيو 2026

كاظم سلمان ابورغيف ||

في زمنٍ لم تعد فيه القراءة فعلَ تأمّل، بل حركة إصبع على شاشة، يجد الكاتب نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يقدّم الفكرة كاملة دون أن يفقد القارئ الذي يطلب المعلومة خفيفة وسريعة؟ وهل ينبغي للكتابة أن تجاري ذائقةٍ أصبحت أسيرة العناوين اللامعة والقراءة الصورية، أم تُصرّ على الارتفاع بالذوق العام بدل الهبوط إلى مستوى العجلة؟

لقد بات واضحًا أنّ ظاهرة القراءة الصورية تفرض مناخًا جديدًا على النشر اليومي. فالقارئ يطالع العنوان ويكتفي، أو يمرّ بعينه على السطور كما تمرّ الريح على صفحة الماء. وفي المقابل، تقف قضايا المجتمع والفكر والسياسة بحاجة إلى تحليلٍ أعمق وشواهد أدقّ وتفصيلٍ يليق بوزنها. وهنا تظهر الإشكالية: هل الإطالة ترف؟ أم ضرورة؟

الإطالة ليست حشوًا ولا استعراضًا لغويًا كما يُظن، بل هي —في كثير من الأحيان— السبيل الوحيد إلى تقديم الفكرة بأبعادها الحقيقية. فهناك قضايا لا يمكن اختصارها دون أن تُظلم، ولا يمكن تبسيطها دون أن يُبتسر (أي يُختصر بشكل مبالغ فيه يضر بالفكرة) جوهرها. المقال الذي يوجز فيما يجب أن يُفصَّل، يشبه مبنى بلا أساس: يبدو قائمًا، لكنه لا يصمد أمام أول سؤال.

وفي مقابل ذلك، لا يمكن للمقال أن يكون مطوّلًا بلا ضابط، أو مثقلاً بالاستطراد على حساب وضوح المعنى. فالإيجاز —حين يُحسن صوغه— قوة، والإطناب —حين يُتقن— بيانٌ واستيفاء. والمعيار الدقيق بينهما هو حاجة الفكرة، لا نزق القارئ، ولا استسهال الكاتب.

إن واجب الكاتب والموقع اليوم ليس فقط مواكبة إيقاع العصر، بل أيضًا الارتقاء بذائقة القراءة. فالموقع ليس مرآة سريعة للعابرين، بل منصة وعي. وإذا استسلم للقراءة السطحية، فإنّه يُسهم —من حيث لا يريد— في تكريسها. أما حين يكتب بقدر الفكرة، لا بقدر المزاج العام، فإنّه يعيد للقارئ عادته القديمة: التمهّل، والتفكير، والبحث عن المعنى لا عن اللمعة.

في عالم يميل إلى سرعةٍ تُهدّد عمق المعرفة، يبقى الرهان على المقال الرصين:
مقال لا يطيل إلا ليُوضّح، ولا يوجز إلا ليُبرز، ويضع الحقيقة في مقامها، والقارئ في مكانه الطبيعي… شريكًا في الفهم، لا عابرًا على السطح.