الجمعة - 21 اغسطس 2026
منذ 9 أشهر
الجمعة - 21 اغسطس 2026

عبد الجليل الزبيدي ||


على جدران ,مطعم تراثي في قلب مدينة السليمانية لفتت اهتمامي صورتان معلقتان متجاورتان : الاولى صورة (بالاسود والابيض ) ملتقطة من على جبل ازمر تظهر انحاء مدينة السليمانية ويعود تأريخها الى عام 1980 وبجوارها صورة (ملونة ) التقت من نفس المكان في عام 2024 .

الفارق بين الصورتين لايقاس ولايقارن ,الصورة الاولى تشبه لقطة لمقبرة متهالكة , والثانية كأنها جانب من مدينة نيويورك , في الصورة الاولى ,بصعوبة تتلمس ملامح مدينة كانت قبل 45 واربعين عاما , لتحل محلها مباني شاهقة ومجمعات تسويقية عصرية وطرق سريعة حديثة وعلى جوانبها لافتات ضوئية لعلامات تجارية عالمية .

اخبرني سمسار عقارات بان اكثر من 30 مجمعا سكنيا شيد في المدينة بعد عام 2003 وان 34 مجمعا اخر قيد الانجاز , إذ ترشح دراسات اقتصادية عراقية مدينة السليمانية انها ستكون الوجهة الاستثمارية المقبلة محليا واقليميا ودوليا بالاضافة الى مؤشرات تؤكد ان العراقيين من سكان الوسط والجنوب يقبلون على شراء العقارات في مدن السليمانية اكثر من أية محافظة اخرى وانها تفوقت على مدينة اسطنبول كوجهة لاستقرار ومعيشة العراقيين .

ومحافظة السليمانية هي كبرى محافظات كوردستان من حيث المساحة وعدد السكان , وحالما تقترب منها من جهة طريق طاسلوجة تشعر انك دخلت كوردستان بالفعل ,حينما تطل السلاسل الجبلية بقممها الشاهقة والسماء الزرقاء الصافية بصفاء قلوب ابنائها ووداعتهم .

العراقي المحب لكوردستان , تلفه مشاعر الغبطة والفرح وتذرف عيناه الدموع حينما يستمع لشغف الاطفال الكورد ومشاغباتهم البريئة في ساعات الصباح الاولى لما يتوجهون الى المدارس بملابس انيقة وحافلات حديثة .

في تلك اللحظة تقارن ذاكرتك مع قصة الطفل الكوردي تيمور واعترافات ضابط الامن صباح الحمداني بانه احصى في عام 1987 اكثر من 4500 طفل وامراة كوردية في معسكر اعتقال ,سيقوا بعد ذلك الى مقابر دفن جماعية وهم احياء .

منذ اشهر ارصد من خلال تحليل كمي وقراءة لمضامين ماينشر في مواقع السوشيل ميديا ,ثمة مسار سلبي يهدف الى شيطنة السليمانية ينطلق من ارادة شيطانية تهدف الى تشويه الصورة الايجابية والمسار التنموي فيها وما يتبعها اداريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا :

مقاطع مصورة لاشخاص مغمورين لا وزن ولاقيمة لهم يطلقون الاتهامات الكاذبة والادعاء بان السليمانية باتت محتلة من قبل الايرانيين والحشد الشعبي , تغريدات تحمٌل (دباشان) مسؤولية تاخير تشكيل حكومة الاقليم بعد مرور عام على الانتخابات المحلية .

واعتقد ان قصف حقل غاز خورمور كان ذروة ما بجعبة اصحاب مشروع الشيطنة وذلك لاظهار السلطة المحلية في محافظة السليمانية على انها غير قادرة على حفظ الامن في هذا الجزء من اقليم كوردستان .
لا نعرف من يقف وراء هذه الحملة , ولكن المؤكد هو ان المستهدف هذه المدينة التي تجسد اليوم ما وصفت به قبل عقود بانها (باريس العراق) لجمال طبيعها ومناخها الاوروبي وجمال ابنائها وانفتاحهم على مختلف التيارات السياسية والدينية والاجتماعية والقومية .

ربما تمهد الشياطين للحرب والفوضى , والمستهدف هو السلطة السياسية في السليمانية وحلبجه التي ورثت فكر وثقافة الراحل جلال طالباني والذي في آخر وصية له دعا أن تبقى السليمانية ( على الاقل ) معقل الديمقراطية والحريات , فهي ماتزال المدينة الوحيدة في العراق التي يعتدي فيها المتظاهرون على افراد الامن من دون اعتقال , وهي المدينة الوحيدة التي تبث منها قنوات تلفازية تنتقد وتعارض قيادة حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني وفي عقر دار سلطته .

في عام 1996 وبعد اجتياح قوات نظام صدام حسين مدن الشمال , لم يتبق للزعيم جلال طالباني من مكان في العراق سوا 12 مترا وهي عبارة عن بساط فرش له على مرتفع في منطقة ( قلاجولان ) سالته حينها : متى تعود الى السليمانية ؟

-مام جلال : اطمئن السليمانية ستعود .
مابين عام 1996 و2025 عادت السليمانية من على ذلك البساط المعفر بالتراب الكوردي لتفترش السفوح المتدلية من جبال گويژه وازمر وپيره مگرون لتطل بمبانيها الشاهقة كأنها اشجار الچقچق والجوز لتحيي باغصانها المتراقصة مع نسمات التاريخ ذكرى مؤسسها ابراهيم باشا بابان سليمانى الذي قال قبل ثلاثة قرون : هي أرض طيبة للعيش وخالدة .