الجمعة - 12 يونيو 2026
منذ 7 أشهر
الجمعة - 12 يونيو 2026

د. رعد هادي جبارة ||
الأمين العام للمجمع القرآني الدولي

 

 

🔗خصوصية المفردة القرآنية(50)
📌مقدمة
يشيع في الخطاب الديني والاجتماعي المعاصر خلطٌ كبير بين مفهوم العرب ومفهوم الأعراب، وهو خلطٌ يوقع بعض الكتّاب والخطباء في تعميمات جائرة يتخذونها ذريعةً لشتم العرب كأمة، ووصمهم بصفات الجفاء والقسوة والنفاق، مستدلين بآيات أو روايات لم يقفوا على سياقها أو دلالتها الدقيقة. وفي مقابل هذا الخطاب المنفلت، يبرز الموقف القرآني الواضح الذي لا يثني على قومية بعينها ولا يذمّ أخرى، بل يجعل ميزان الكرامة إنما هو التقوى:

{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.

هذا المقال محاولة لإعادة ضبط الخطاب، وفهم موقع العرب في القرآن والتاريخ فهماً هادئاً، بعيداً عن الانفعالات والقراءات الانتقائية.

📌أولاً: من هم العرب؟ تعريف حضاري

العرب ليسوا مفهوماً دينياً بل قومية ولساناً وحاضنة ثقافية نشأت في جزيرة العرب، وتنوّعت بين بدوٍ وحضر، وبين قبائل مستقرّة ومدنٍ حضارية كالطائف ويثرب ومكة.

عندما نزل القرآن كان يخاطب العرب بلغتهم، ويقيم الحجّة عليهم بلسانهم، وهذا وحده دليل أن القرآن لم يأت ليدمر هوية العرب، بل ليطهّرها ويرتقي بها.

وقد اختار الله سبحانه رسوله من بينهم:
{هو الذي بعث في الأميّين رسولاً منهم}،
وهذا اصطفاءٌ لا يمكن تحويله إلى معاداة للعرب كما يفعل بعض المتعصّبين ضدّهم.

📌ثانياً: القرآن لا يذم العرب… بل يثني على المؤمنين منهم
ورد في الخطاب القرآني ثناءٌ واضح على الأمة التي حملت الرسالة أول مرة:
{كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس}،

والضمير هنا يتوجه إلى المؤمنين من العرب ومن التحق بهم، وليس إلى جنس أو نسب معيّن.
كما أثنى القرآن على من نصر النبي، وعلى المهاجرين والأنصار الذين يشكّلون الأغلبية الساحقة من العرب الأوائل.

هؤلاء لم يكونوا “أعداءً للرسول” كما يصوّرهم الخطاب المتشنّج؛ بل كانوا عماد نشر الإسلام وتثبيت أركانه.

📌ثالثاً: لماذا تُتداول صورة سلبية عن العرب عند بعض الكتّاب؟
يرجع ذلك غالباً إلى عاملين:

1. الخلط بين العرب والأعراب
وهو خطأ منهجي خطير.
العرب: قوم وحضارة.
الأعراب: فئة اجتماعية بدوية، لها ظروفها القاسية التي أفرزت صفات ذمّ القرآن بعضها لأسباب سلوكية لا قومية.

2. الاعتماد على الروايات التاريخية بلا تمحيص

فالتاريخ الإسلامي في بداياته شهد صراعاً سياسياً واجتماعياً، ولا يصح تحويل مواقف أفراد أو قبائل معيّنة إلى حكم على الأمة كلها.

📌رابعاً: دور العرب في نصرة الرسالة وبناء الأمة
رغم معارضة بعض وجهاء قريش للرسالة موقتاً ،في بداياتها، فإن العرب هم الذين:

🔹حملوا لواء الإسلام في العقود الأولى.
🔹نشروا الدعوة في الشام والعراق ومصر والمغرب وإيران وتركيا وآسيا الوسطى
🔹وضعوا اللبنات الأولى للعلوم الإسلامية: اللغة، الحديث، التفسير، الفقه.
🔹أسسوا نواة الحضارة التي انصهرت فيها بعد ذلك الفرس والروم والأحباش وغيرهم.
لم يكن هذا التفرّد عنصرياً أو قومياً، بل كان نتيجة طبيعية لموقع العرب في بدايات الرسالة.

📌خامساً: لماذا يجب إعادة بناء خطاب منصف بحق العرب؟

لأن:
1. العدل قيمة قرآنية: لا يجوز تعميم الذمّ على قومٍ بسبب سلوك بعض أفرادهم.
2. القرآن لا يدعم هذا التعميم: بل يربط الحكم بالسلوك لا بالنسب.
3. التسقيط القومي يزرع الضغائن: ويُنمي خطاب الكراهية الطائفي في عصر نحن أحوج ما نكون فيه للوحدة.
4. بيان الحقيقة واجب علمي: فالتاريخ لا يُقرأ بالاجتزاء، بل بالنظر إلى الصورة الكاملة.

📌خاتمة
إن النبش المتكرر في الروايات التي تصور العرب كأعداء مطلقين للرسالة، وتحويلها إلى مادة للشتم أو الشماتة أو الكراهية، هو انحرافٌ عن ميزان الإسلام نفسه. الإسلام لا يقدس العرب لأنهم عرب، ولا يذمّهم لأنهم عرب؛ بل أقام مبدأً واحداً:

{إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.
ومتى أدركنا هذا المبدأ وتحررنا من العداء المجاني للعرب أو لغيرهم، سيتضح أن العرب كانوا وما زالوا جزءاً أصيلاً من نسيج الأمة، وأنهم حملوا الرسالة أول مرة، ثم شاركتهم بقية الأمم في بنائها، حتى صارت حضارة إنسانية مشتركة.