بين الوعي والقيمة.. حين يفهم الناس العقيدة ولا يعونها.. قراءة في المضمون المفقود للعقيدة المهدوية..!
كاظم سلمان ابورغيف ||

مقدّمة: فهمٌ بلا وعي… وعقيدة بلا قيمة!
إنّ كثيرًا من العقائد تُفهم، تُحلَّل، تُشرَح، وتُكتب عنها مطوّلاتٌ عميقة، لكنّ قلّةً قليلة هي التي تُؤمَن بها كقيمة عُليا وتُعاش كتجربة روحية وسياسية واجتماعية.
هذا التباين بين الفهم والوعي هو جوهر الإشكال الذي تعيشه الأمة اليوم.
فالإنسان قد يلمّ إحاطةً معرفية بالعقيدة، من داخلها أو من خارجها، لكنه قد يبقى بعيدًا عن مستوى الوعي الذي أراد الله للعقيدة أن تُحقّقه في وجدان الإنسان.
١. فهم العقيدة متاح… حتى لغير المؤمن بها
المستشرقون، الباحثون، وأكاديميو الأديان يقدّمون أحيانًا نماذج مذهلة من التحليل العميق والمقارنات والاستقراءات التاريخية.
وقد كتب بعضهم عن العقائد الشيعية خاصةً بعمقٍ يفوق ما يكتبه بعض المنتسبين إليها!
لكن السؤال:
هل الفهم يساوي الوعي؟
الإجابة: قطعًا لا.
بين الفهم والوعي
الفهم: إدراك المفاهيم، تتبّع النصوص، تحليل الدلالة.
الوعي: جعل العقيدة منظومة قيم تُسهم في تشكيل السلوك، القرار، الوجدان، والهوية.
القرآن يُشير لهذا التفريق حين يصف من يفهم ولا يعقل:
> ﴿ لهم قلوبٌ لا يفقهون بها ﴾
الفهم حاضر… لكن الوعي غائب.
٢. حين يفرح المنتسب بالعقيدة… وهو لا يحمل قيمتها
المفارقة المؤلمة أنّ كثيرًا من أبنائنا الذين ينتسبون لعقائد أهل البيت عليهم السلام، ومنها العقيدة المهدوية، يحملون فرح الانتماء دون قدر الوعي.
كثيرون يظنون أنهم يعرفون المهدي (عج) لأنهم سمعوا عنه، كتبوا عنه، بكوا عليه، وردّدوا اسمه…
لكنّهم لم يصلوا إلى الوعي الذي أراد الله للعقيدة أن تُنشئه في وجدان الإنسان.
وعي القيمة الغائب
القيمة لا تتجذّر إلا حين يشعر الإنسان بأن العقيدة تُعيد صياغة:
رؤيته للعالم
مسؤوليته
أولوياته
موقفه الأخلاقي
انضباطه العملي
لا يكفي أن تُحبّ العقيدة…
يجب أن تحيا بها.
كما قال السيد روح الله الخميني قدس سره:
> “العقيدة التي لا تغيّر الإنسان، ليست عقيدة… بل معلومة.”
٣. العقيدة المهدوية… نموذج مظلوم بين الصراخ والتخلّي
العقيدة المهدوية اليوم تُعاني ظلمًا مزدوجًا:
الظلم الأول: صراخ بلا وعي خطابات انفعالية، لطم مكثّف، صخب، بكاء… لكن دون انتقال إلى وعي الانتظار الذي هو مشروع تربية وإصلاح وتزكية ومسؤولية.
وقد ورد في الرواية:
> “أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج”
والانتظار ليس سكونًا… بل حالة حركة ووعي واستعداد.
الظلم الثاني: تقصير الواعين
النخبة المثقفة، الأكاديمية، الدينية أحيانًا تتراجع أمام موجة الشعبوية، وتترك العوامّ لخطاباتٍ سطحية.
فيصبح ما قاله الشهيد المطهري واقعًا حيًا: “القيم العظمى لا تموت بالجهل، بل تموت حين تُسلّم لغير أهل الوعي.”
٤. فهم العقيدة المهدوية شيء… والوعي بها شيء آخر
العقيدة المهدوية ليست قصة تاريخية مؤجلة، ولا رمزًا للتعزية، ولا انتظارًا سلبيًا.
إنها – وفقًا للقرآن – قيمة وعدٍ إلهي بحاكمية العدل: ﴿ ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ﴾ وهي تجسيد لحركة أهل البيت في صناعة المجتمع الإلهي.
وهي في نظر الإمام الخميني:
> “المهدوية ليست وعدًا مستقبليًا فحسب… بل هي معيارٌ لقياس صدق كل حركة إصلاحية.”
وفي فهم المطهري:
> “الانتظار ليس هروبًا من الواقع… بل هو أملٌ يُلزمك بإصلاح الواقع.”
هذا هو الفرق بين فهم العقيدة ووعي العقيدة.
٥. نحو بناء وعي مهدوي… لا مجرد معرفة مهدوية
وعي العقيدة يحدث حين تتحول إلى:
التزام أخلاقي
مشروع إصلاحي
شعور بالمسؤولية
استحضار دائم لمعيار العدل الإلهي
انحياز للمظلوم
رفضٌ للظلم
حرص على تزكية النفس
وقد ورد عن الإمام الصادق (ع): “من سرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر.”
ليس الصراخ معيار الانتساب…
بل الورع ومحاسن الأخلاق.
٦. الخاتمة: العقيدة التي لا تغيّر الإنسان… لم تُفهَم : إنّ بيننا من يُتقنون الحديث عن المهدي… ولكن قليلٌ هم الذين يفهمون قيمة المهدي.
وقليلٌ جدًا من يحملون وعي المهدي. الأمة لا تحتاج مزيدًا من الضجيج… بل مزيدًا من الوعي.
ولا تحتاج مزيدًا من المعلومات… بل مزيدًا من القيم.
العقيدة المهدوية ليست فكرةً نرويها… بل قيمةً ننهض بها.




