الخميس - 11 يونيو 2026
منذ 7 أشهر
الخميس - 11 يونيو 2026

كاظم سلمان ابو رغيف ||

 

 

 

رسالة إلى من يهمّه أمر المقاومة في العراق

أولاً: جبهة الإعلام… الثغرة الأخطر في جسد المقاومة

إلى من يهمّه أمر المقاومة…
اعلموا أن أخطر ما يواجه مشروعكم اليوم ليس سلاح العدو، ولا تحريض الخصوم، بل إعلامكم نفسه.
فهذا الإعلام — المرئي والمسموع والمكتوب — لا يعكس من حقيقتكم إلا خمس قوتكم فقط…
وما تبقى يضيع بين ضعف الخطاب، وتشتت الرسالة، وغياب المهنية.

ثانياً: حين يخجل المحبّ… قبل أن يشمت الخصم

المحبّ للمقاومة يدخل قنواتكم بشجاعة، ويخرج منها بخجل.
يبحث عن رؤية… فيجد تكرارًا.
يبحث عن تحليل… فيجد جُملاً مفككة.
يبحث عن إعلام يناسب “انتصارات الميدان”… فيجد إعلامًا ينهزم باللسان قبل أن ينتصر بالسلاح.

المؤلم أن الخصم لا يحتاج إلى إسقاطكم…
لأن بعض محلّليكم يسقطون الصورة عنه بأنفسهم.

ثالثاً: محللو المقاومة… أزمة لا تُحتمل

(بين الارتباك أمام الكاميرا… والضعف أمام الحقيقة)

إن المحلل هو الوجه الأول لأي مشروع.
وإذا كان الوجه مهتزًا… يهتزّ المشروع كله.

وللأسف:

محللون بلا تدريب إعلامي.

بلا لغة قوية.

بلا معرفة سياسية دقيقة.

بلا قدرة على الدفاع بالحجة قبل الحماسة.

كم من مرة شعر المشاهد المحبّ للمقاومة أن ظهور أحد المحللين هو عبء على المقاومة لا دعم لها؟
كم من مرة أراد المتابع أن يغيّر القناة خجلاً لا مللاً؟

إن ظهور محلل ضعيف واحد…
قد يُسقط جهود ألف مقاتل ويُربك صورة ألف نصر.

رابعاً: المقارنة المؤلمة — بين إعلام المقاومة… وإعلام عبد الناصر

(هنا يبدأ الفارق الحقيقي)

عندما نقول “إعلام عبد الناصر” فنحن نتحدث عن:

مؤسسات صحفية كبرى: الأهرام – الأخبار

أسماء لامعة: محمد حسنين هيكل

كُتّاب دراما وأدب غيّروا وعي الأمة: صلاح جاهين – يوسف إدريس – توفيق الحكيم – محفوظ

ذلك الإعلام لم يكن “مرافقًا للدولة”…
بل كان جزءًا من صناعة الدولة.
أقام مشاريع… وغيّر خرائط… وصنع وجدانًا عربيًا يمتد حتى اليوم.

أما إعلام المقاومة العراقية:
فهو — بكل صراحة — إعلام يرفع الصوت أكثر مما يرفع المستوى.
يحشد العاطفة أكثر مما يحشد الفكرة.
ويكرر الخطاب حتى يُبتذل… بدل أن يطوره حتى يُقنع.

خامساً: غياب الدراما… غياب العمق… غياب التأثير

(ما لم يفهمه قادة الإعلام بعد)

الدراما ليست ترفًا.
الفن ليس زينة.
الثقافة ليست هواية.

هي أدوات تصنع الشعوب… وتوسّع الوعي… وتُسقط العروش.

في زمن عبد الناصر، كانت الدراما وحدها قادرة على:

تبرير معركة

رفع معنويات أمة

صناعة رمزية

تثبيت سردية وطنية واحدة

بينما إعلام المقاومة اليوم لا يملك:

مسلسلًا واحدًا ذا قيمة

فيلمًا محترمًا

وثائقيًا رفيعًا

صوتًا ثقافيًا مؤثرًا

فكيف يمكن لمشروع كبير أن يبقى بلا ثقافة؟
وبلا خيال؟
وبلا صناعة وعي؟

سادساً: الخمسة بالمئة — الجرح المفتوح

(مشكلة الإعلام لا تكمن في قلّته… بل في ضآلة أثره)

حقيقة يجب قولها مهما كانت مرّة:

> إعلام المقاومة لا يمثل إلا خمسة بالمئة من قوتها الكلية.

أما الـ95% الباقية؟
فهي قوة كامنة لا تصل إلى الناس، ولا تُروى للجمهور، ولا تتحول إلى سردية جامعة.
الخطاب الميداني أقوى بمئة مرة من الخطاب الإعلامي…
لكن ما فائدة قوة لا تُصاغ في كلمة؟
ولا تُترجم في وعي؟
ولا تُقدَّم بصورة تليق؟

هنا تكون الهزيمة الإعلامية أقوى من أي هزيمة عسكرية.

سابعاً: هذه ليست شماتة… بل صرخة إصلاح

كل ما يُقال هنا ليس طعنًا بالمقاومة…
بل طعنًا في الطريقة التي تُقدَّم بها المقاومة.

نحن أمام مشروع كبير،
لكنّه يُقدَّم بخطاب صغير.
أمام قوة نافذة،
لكنها تُعرض بوسائل عاجزة.

جمهور المقاومة يستحق إعلامًا يرفع رأسه…
لا إعلامًا يجعله يخفضه.

ثامناً: تمهيد للحلقة القادمة — مقارنة إعلام المقاومة بإعلام البعث

(لأن المعرفة بالخصم… معرفة بالقوة)

في الرسالة القادمة سنفتح ملفًا أخطر:
كيف بنى البعث إعلامه؟
كيف سيطر على الرأي العام؟
كيف استخدم الصحف، التلفزيون، المدارس، النشرات…؟
وكيف يمكن للمقاومة — نظريًا — أن تتعلم من النجاحات والإخفاقات معًا؟

خاتمة الرسالة

أيها السادة…
إعلامكم اليوم هو أضعف بنادقكم.
وأقلّ حججكم.
وأعرض ثغراتكم.

إن لم تُعالج هذه الجبهة…
فستبقى “الخمس بالمئة” هي سقفكم،
وسيبقى الخصم ينتصر عليكم بالكلمة…
كما تنتصرون عليه بالسلاح.

والسلام على من يدرك أن الإعلام سلاح…
وأن السلاح — إن ساء حمله — يرتدّ على صاحبه قبل عدوه.

رحم الله المنبر الواعي