ليسَ بِمجاهِد.. الآكلُ بجهاده، التاجرُ بجهاده، الباحثُ عن موقعٍ بجهاده..!
كاظم سلمان أبو رغيف ||

مجاهدون قالوا في الجهاد :-
كلُّ أمةٍ تكرّم مجاهديها، ولكن لا أمةَ تكرّم من يتاجر بجهادِه.
في كلِّ مرحلةٍ تاريخيةٍ، ينبثق من بين صفوف المخلصين من يحوّلُ البطولة إلى بضاعة، والدمَ إلى رصيد، والجهادَ إلى وظيفةٍ حكومية.
يتسلّحُ بشهادته القديمة ليحجزَ لنفسه مقعداً في الدولة، أو عقداً في السوق، أو وجاهةً في المجالس، كأنما دمُ الجهاد أصبح سندَ ملكيةٍ يُتداولُ في أسواق المصالح.
الجهادُ.. لا يُؤكلُ ولا يُباعُ
ليس كلُّ من قاتلَ صارَ مجاهداً،
ولا كلُّ من لبسَ الكفنَ صارَ شهيداً.
الجهادُ — كما قال الإمام الخميني (قده) — حركةٌ لله، لا للحسابات.
هو ميدانٌ لتزكيةِ النفس قبل أن يكونَ ميداناً للسلاح، وميزانُه النيةُ لا النصر.
قال تعالى:
> ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾
والمخلِصُ لا يُقايضُ اللهَ على عمله، ولا يُذكّرُ الناسَ بفضله، لأن الله هو الذي يذكُر، وهو الذي يُكافئ.
المتاجِرُ بالجهاد… قاتلٌ آخر!
في فكر الشهيد مرتضى مطهري، الجهادُ ليس مرحلةً عابرةً في حياة الإنسان، بل اختبارٌ دائمٌ لصفاءِ القلب.
يقول: «من قاتلَ في سبيل الله ثم أرادَ من الناسِ جزاءً أو مدحاً، فقد جعلَ نفسه تاجراً في سوق الآخرة.»
ولذلك فإن من يجعلُ جهادهُ سلّماً إلى المناصب إنما ينقضُ عمله بيده، ويحيلُ الجهادَ إلى صفقةٍ دنيوية.
اليوم نرى بعضَهم يُقيمون أسواقاً في كلِّ دائرةٍ ومؤسسةٍ ومجلسٍ، لا يبيعون فيها إلا الذكريات، ولا يعرضون إلا صوراً باهتةً من بطولاتٍ صادقةٍ غابت عنهم روحُها.
تحذيرُ الخميني: لا تلوّثوا وجهَ الجهاد
الإمام الخميني (قده) كان أشدَّ ما يخاف على الثورة من أبنائها الذين يتاجرون بدمائها.
قال: «حافظوا على وجهِ الجهادِ ناصعاً، فإن الدنيويين إن تسلّطوا عليه شوّهوا وجهه.»
لقد كان يرى أن أخطرَ ما يمكن أن يصيبَ الثورة ليس العدو الخارجي، بل أولئك الذين يستغلّونها ليُعمّدوا مصالحهم الشخصية بماءِ الطهرِ والدماء.
الجهادُ السياسي في فكرِ الشهيد الصدر
أما السيد محمد باقر الصدر (قده)، فقد ميّز بين المجاهد الذي يُمكّن الفكرةَ، والمجاهد الذي يُمكّنُ نفسه.
قال في إحدى دراساته: «الخطرُ على أيِّ حركةٍ إسلاميةٍ يبدأ عندما تتحوّل إلى طبقةٍ تستثمرُ الجهاد لتبرير امتيازاتها.»
فالجهاد عند الصدر مشروعُ وعيٍ دائم، لا بطاقةُ عبورٍ إلى الحكم.
من جاهدَ لله صارَ حجّةً لله، ومن جاهدَ لنفسه صارَ وبالاً على قضيّته.
الشهيد دستغيب: جهادُ النفسِ هو الامتحانُ الأصعب
الشهيد دستغيب (قده) كان يربطُ بين جهاد الميدان وجهاد النفس، ويقول:
«كم من قاتلٍ ظنَّ نفسهُ شهيداً، ولو كشفَ اللهُ سريرتهُ لعلمَ أنه قاتلٌ في سبيلِ هواه.»
إن من يخرجُ من المعركة منتصراً على العدو، ثم يعودُ مهزوماً أمام نفسه، لم يكن مجاهداً، بل أسيرَ غروره الجديد.
القاضي الطباطبائي: المعركةُ تبدأُ بعد النصر
في كلماتِ العارف السيد علي القاضي (قده)، الجهادُ الأكبر يبدأ بعد المعركة:
«من انتصر على عدوّه ولم ينتصر على نفسه، لم يربح شيئاً.»
لذلك، فإن أخطرَ لحظةٍ في حياة المجاهد هي لحظةُ ما بعد الجهاد، حين تبدأ وساوسُ التقديسِ الذاتي، ويُصبحُ النصرُ لعنةً إذا تحوّل إلى سببِ استعلاءٍ واستثمار.
نصرالله: الجهادُ لا يُكافَأ عليه… يُواصَل
القائدُ السيد حسن نصرالله قالها بوضوحٍ لا لبس فيه:
«من قاتلَ في سبيلِ الله لا يطالبُ الناسَ بفضلٍ، لأن المجاهدَ الذي ينتظرُ ثمنَ جهاده لم يقاتل لله.»
بهذه الكلمةِ اختصرَ كلَّ معاني الصدقِ والتواضع، وحدّدَ الفاصلَ بين من يخدمُ الفكرة ومن يخدمُ نفسه باسم الفكرة.
من يأكلُ باسم الجهاد… يُميتُ الجهاد
الآكِلُ بجهاده ليس مجاهداً،
والتاجرُ بجهاده ليس مجاهداً،
والذي يطلبُ موقعاً بجهاده ليس مجاهداً.
الجهادُ لله، والمجاهدُ لله،
فمن جعلَ اللهَ غايةَ جهاده، أغناهُ الله.
ومن جعلَ نفسهُ الغاية، أفلسَ أمام الناسِ والسماءِ معاً.
كلمةُ ختام
لنبقَ شاكرين لشهدائنا ومجاهدينا الصادقين،
لكن لنعرف أن تكريم الجهاد لا يكونُ بمنحِ المقاعد والمناصب، بل بحفظِ قدسيته من التلوّث.
فمن يأكلُ باسم الجهاد، يُميتُ الجهاد.
ومن يتاجرُ بالجهاد، يقتلُ قداسته.
ومن يطلبُ موقعاً بجهاده، يدفنُ روحه في كرسيّه.
> واللهُ لا يشتري هذا الصنف،
لأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم لا شهاداتهم القديمة.




