الخميس - 11 يونيو 2026

المرجعية.. أبوة جامعة فوق الاستقطاب السياسي..!

منذ 7 أشهر
الخميس - 11 يونيو 2026

كاظم سلمان ابو رغيف ||

 

 

لم تكن المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف يوماً طرفاً في معادلة الصراع السياسي أو منافساً في ميدان التنافس الانتخابي، بل ظلت هي المظلة الجامعة والضمير الأخلاقي الذي يحرس توازن الأمة، ويصون وحدتها، ويوجّه بوصلتها نحو المصلحة العليا للدين والوطن.
ولعلّ الموقف الأخير للمرجعية من الانتخابات البرلمانية الجارية ـ بعدم إصدار بيان صريح يدعو إلى المشاركة أو المقاطعة ـ هو أحد أوضح تجليات هذه الأبوة الروحية للجميع، تلك الأبوة التي لا تفرّق بين أبنائها مهما اختلفت مشاربهم أو مواقفهم السياسية.

لقد عبّرت المرجعية عن هذا الموقف المتوازن بطريقتين بالغتي الدلالة:
أولاهما تعطيل دروس البحث الخارج وسائر دروس الحوزة العلمية في النجف الأشرف، لإتاحة الفرصة للطلبة والعلماء لممارسة حقهم وواجبهم في المشاركة، من غير أن تفرض عليهم اتجاهاً محدداً أو خياراً مسبقاً. هذا التعطيل ـ الذي لا يُقدم عليه العلماء إلا في القضايا المصيرية ـ كان بمثابة إشارة ناطقة بغير لسان، تعني أنّ المرجعية تنظر إلى العملية الانتخابية كحدث وطني كبير يستحق التوقف والمشاركة الواعية فيه، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تُقرأ إشارتها على أنها انحياز لطرف دون آخر.

أما الدلالة الثانية، فهي ما ورد في بيان المرجعية الأخير حينما أحالت القرار إلى المواطن (المكلّف) نفسه، داعيةً إياه إلى أن يتحمل مسؤوليته في تقرير موقفه عن وعي وبصيرة، بعد أن تبيّن لها أنّ أحد المكونات السياسية الرئيسة قرر المقاطعة. وهنا تجلّت حكمة المرجعية مرة أخرى في الحرص على أن تبقى المرجعية أباً للجميع، لا حليفاً لأحد، وأن تحافظ على مسافة واحدة من كل القوى والتيارات، لأن وظيفتها الأساس ليست أن تكون طرفاً في التنافس، بل أن تبقى صوت الضمير الجمعي الذي يذكّر ولا يُملي، ويرشد ولا يُكره.

إنّ هذا السلوك المتوازن يعكس منهج النجف الأصيل في التعاطي مع الشأن العام؛ منهج يميّز بين الدين كقيمة ضابطة والسياسة كأداة متغيرة. فالمرجعية لا تنسحب من الميدان، لكنها ترفض أن تُختزل في شعار أو أن تُستعمل في دعاية انتخابية. فهي تقف على ارتفاعٍ أبويٍّ واحد من الجميع، تحضّ على المشاركة الواعية لا المشاركة العمياء، وعلى المقاطعة المسؤولة لا المقاطعة الاندفاعية.

بهذا النهج الأبوي الحكيم، تثبت المرجعية مرة أخرى أنها ليست مرجعية فئة أو حزب أو اتجاه، بل مرجعية الأمة كلّها. فهي التي تتدخل حين تمسّ القضايا مصير الوطن والدين، لكنها تبقى صامتة حين يكون صوتها ـ إن ارتفع ـ سبباً في انقسام أبنائها. وصمت الأب، في مثل هذه المواطن، أبلغ من كل بيان.