الخميس - 11 يونيو 2026

بين التكليف الشرعي والمسؤولية الوطنية: قراءة في جواب المرجعية العليا حول المشاركة في الانتخابات..!

منذ 8 أشهر
الخميس - 11 يونيو 2026

كاظم سلمان ابو رغيف ||

 

 

لم يكن جواب مكتب المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله) حول المشاركة في الانتخابات مجرّد توجيه عابر، بل هو *وثيقة فقهية وسياسية دقيقة* تُحمّل كلَّ مواطن عراقي مسؤولية قراره أمام الله والتاريخ، في واحدة من أكثر المراحل حساسية في مسار الدولة العراقية الحديثة.

ففي جوابه على سؤال بعض المؤمنين عن المشاركة في الانتخابات، لم يصدر سماحته فتوى بالإيجاب أو السلب، بل قال بوضوح:

«فإن وجد أن المشاركة أوفق بمصلحة العراق فليشارك بانتخاب المرشح الصالح الأمين».

وهذا النصّ القصير يحمل *دلالات عميقة* يمكن الوقوف عندها من عدّة زوايا:

#أولاً: من الفتوى إلى التكليف الشخصي:-

لم يُصدر السيد المرجع فتوى شرعية تلزم المكلّف بالمشاركة، كما ان الحال في بعض المحطات السابقة حينما رأت المرجعية في المشاركة ضرورة شرعية لحماية الكيان العام للدولة. بل نقل المرجع هذه المرة *موقع القرار من الفتوى العامة إلى تشخيص المكلف نفسه، قائلاً: *«حسب قناعة المواطن». وهذا يعني أن المرجعية *رفعت الغطاء التوجيهي الإلزامي*، وأعادت القرار إلى وعي الفرد وتقديره، ليكون هو المسؤول عن موقفه أمام الله: لماذا شارك؟ أو لماذا لم يشارك؟

إنها نقلة من “التقليد الطقوسي” إلى *التحمّل الواعي للتكليف الشرعي والسياسي*.

#ثانياً: تعليق الحكم على “مصلحة العراق”

لم يُعلّق السيد المرجع المشاركة على مصلحة شخصية أو فئوية أو مذهبية، بل قال: «بمصلحة العراق». وهنا يتحوّل معيار المشاركة من المصلحة الضيقة إلى *المعيار الوطني الأعلى* الذي يعبّر عن وحدة المصير. فالعراق – بحسب هذا الجواب – هو موضوع الحكم وعلّته، ومن وجد أن مصلحة الوطن في المشاركة فقد تعيّن عليه أن يشارك، لا لأن المرجعية أمرت، بل لأن *الضمير الديني والوطني أمره بذلك*.

#ثالثاً: تأطير قناعة المشاركة بحدّين فقهياً وأخلاقياً :-

وحينما قال السيد المرجع: «فليشارك بانتخاب المرشح الصالح الأمين»، أراد بذلك أن *يضبط مسار المشاركة* حتى لا تتحول إلى تبريرٍ للفساد أو التكتلات المصلحية. فهو لم يترك الباب مفتوحًا لكلّ من يشارك، بل جعل المشاركة المشروعة مشروطةً بـ”الصلاح والأمانة”، أي أن يكون المرشح من أهل الكفاءة والنزاهة، وأن يُنتخب *بوصفه مسؤولاً عن العراق لا عن طائفة أو حزب*.

#رابعاً: عمومية
الخطاب:-

لم يقل المرجع “المكلّف”، بل قال “المواطن”، وهذه اللفظة ذات أثرٍ بالغ في الفقه السياسي للمرجعية؛ إذ إنها *تخاطب العراقي بما هو إنسان منتمٍ إلى هذا الوطن، لا بما هو تابع لمذهبٍ أو مقلّدٍ لمرجعٍ بعينه. إنها رسالة مفتوحة لكل العراقيين، شيعةً وسنةً، مسلمين ومسيحيين، بأنّ المرجعية العليا تنظر إلى الانتخابات باعتبارها **شأنًا وطنيًا عامًا* لا يخصّ فئة دون أخرى.

#خامساً: منطق “رفع الوكالة” لا رفع المسؤولية :-
من الخطأ أن يُفهم الجواب على أنه انسحاب من الموقف، بل هو *رفعٌ للوصاية وإعادة للمسؤولية* إلى مكانها الطبيعي. لقد أراد المرجع الأعلى أن يُخرج المواطن من حالة الاتّكالية على “الرقبة المرجعية”، إلى حالة *الاستقلال الواعي في الموقف السياسي الشرعي. فالمسؤولية اليوم ليست في عنق المرجع، بل في **عنق كل مكلّف* أدرك خطورة صوته، واختار أو امتنع بناءً على وعيٍ وميزانٍ شرعيٍ واضح.

#سادساً: دلالة “الصمت المرجعي” في هذا الظرف :-

حين تسكت المرجعية عن الإلزام، فذلك *ليس سكوت العاجز، بل سكوت الحكيم* الذي جرّب، ورأى، وبيّن. فقد طالبت المرجعية مرارًا بالإصلاح، ومحاسبة الفاسدين، وتغيير الوجوه التي أرهقت البلد، لكنّ الاستجابة كانت محدودة. ولذلك جاء هذا الجواب ليضع الكرة في ملعب الأمة:

إن أردتم الإصلاح، فابدأوا بأنفسكم، بأصواتكم، بضمائركم.

#خاتمة :-
إنّ جواب المرجعية العليا هذه المرة لا يُقرأ بعيونٍ فقهية ضيّقة، بل بعينٍ تجمع بين *الفكر الديني والوعي الوطني. لقد حمّل السيد السيستاني كلَّ مواطن مسؤولية قراره، ليكون العراق هو المعيار، والصلاح والأمانة هما الضابطان. أما من أراد أن يعلّق قراره برقبة المرجع، فقد فاته أن المرجعية إنما أرادت أن **ترفع الإنسان من مستوى المقلّد إلى مستوى الشاهد المسؤول*. وفي هذا المعنى، تكون الانتخابات اليوم *امتحانًا للضمير قبل أن تكون استفتاءً للصناديق