العراق الذي خافوا نهوضه: من مشروع القوة إلى صناعة الضعف..!
كاظم سلمان ابورعيف ||

في مطلع السبعينات، كان العراق يقف على عتبة التحوّل إلى قوة إقليمية كبرى.
كان ديناره الأعلى قيمةً بين العملات العربية، ونفطه ملك يديه بعد التأميم، وأرضه تفيض بالزرع والصناعة والتعليم والكرامة.
كان جيشه في صعود، وشعبه مؤمنٌ بأن الغد له، وأن بغداد يمكن أن تكون قلب الشرق من جديد.
لكن ما إن بدأ العراق يستعد لقول كلمته في قضايا الأمة – وفي مقدمتها فلسطين – حتى بدأت خيوط اللعبة تنسج في غرفٍ مغلقة، لا في بغداد بل في لندن وتل أبيب. هناك، أدركت الدوائر الصهيونية والبريطانية أن العراق القوي يعني نهاية الهيمنة على الشرق الأوسط، وأن عراقاً غنياً بالنفط والعقول والكرامة لا يمكن إخضاعه إلا من الداخل.
وهكذا بدأ مشروع “الإضعاف الذاتي”؛ لم يكن الغزو الخارجي هو السلاح الأول، بل الاستبداد الداخلي. فُرض على العراق نظامٌ يقوم على عبادة الفرد، ويقيس الوطنية بمقدار الولاء للحاكم لا للوطن. كان لا بدّ من شخصٍ يقود العراق إلى الهاوية وهو يظن أنه يصعد بها إلى القمة، فوقع الاختيار على صدام حسين؛ الرجل الذي جُهّز بعناية ليكون أداةً لا بطلاً.
لم يكن صدام ظاهرة عراقية خالصة؛ بل كان نتاجاً لتقاطعات مخابراتية بريطانية وغربية وجدت في شخصيته النزقة والطموحة ضالتها.
أعطوه الضوء الأخضر، والعتاد، والواجهة القومية البراقة، ثم دفعوه إلى سلسلة من الحروب التي أكلت كل ما بناه العراق في عقدٍ واحد.
من حربٍ مع الجوار إلى حصارٍ مهينٍ، ثم غزوٍ أمريكي أجهز على ما تبقى من دولة كانت ذات يوم تُحسب في معادلات القوة لا في خرائط المساعدات.
لم يكن المطلوب إسقاط صدام، بل إسقاط فكرة العراق القوي.
فالعراق القادر على الزراعة والصناعة والتعليم، هو العراق القادر على حمل راية فلسطين بصدق.
والعراق المستقل اقتصادياً لا يحتاج وصاية الغرب ولا حماية الناتو ولا ودّ السفارات.
وهكذا، أدّى صدام حسين مهمته كاملة:
أفرغ الجيش من عقيدته الوطنية، وحوّله إلى أداةٍ بيد السلطة.
خنق المعارضة والمثقفين الذين كانوا يمثلون ضمير الأمة.
زجّ البلاد في حروب عبثية أنهكت الإنسان قبل الاقتصاد.
وترك خلفه عراقاً ممزقاً، يسهل تفتيته ونهب ثرواته وإغراقه في الانقسام الطائفي والاقتصادي.
لقد خافوا العراق القوي، فصنعوا له طاغيةً يقتله باسم القوة.
وخافوا صوت بغداد الحرّ، فكمّموه باسم الأمن القومي.
وخافوا أن يقول الشعب كلمته في القدس، فأسكتوه بالقمع والحروب والحصار.
واليوم، حين ننظر إلى الوراء، ندرك أن سقوط العراق لم يكن صدفة، بل حلقة من مخططٍ صهيوني-بريطاني قديم لإبعاد العراق عن دوره التاريخي في قيادة المنطقة.
لكن ما لا يعرفه أولئك، أن التاريخ لا يُغلق صفحاته بسهولة؛ فالشعوب التي تصنع الحضارات قد تتعثر، لكنها لا تموت.
ولعلّ الجيل الجديد الذي يعرف حقيقة ما جرى، هو القادر على إعادة العراق إلى موقعه الطبيعي: قوةً تحررية لا أداةً في أيدي الغير.




