فصائل المقاومة في العراق… تعددها حكمة أم غياب قيادة؟!
كاظم سلمان ابو رغيف ||

يعيش المشهد المقاوم في العراق منذ سنوات حالة من التعدد الفصائلي، يصعب على المتابع أن يفهمها في إطار واحد: أهي تعددية تكاملية تحكمها رؤية موحدة، أم حالة تشظٍّ وغياب مركز قيادة عليا تضبط الإيقاع وتمنع التناحر البارد بين القوى المتقاربة في الخطاب والمتباعدة في الإدارة؟
هذا السؤال بات أكثر إلحاحاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية والملفات الإقليمية الساخنة التي تحتاج موقفاً عراقياً موحداً يعبر عن روح المقاومة الإسلامية الأصيلة، لا عن اجتهادات متنافرة تحت عنوان واحد.
الإمام الخميني (قده) حين أسس لمنهج المقاومة الإسلامية في فكر الثورة، وضع قاعدة ذهبية ما زالت تصلح لكل زمان ومكان: «إنّ الانتصار لا يتحقق بكثرة التنظيمات، بل بوحدة الكلمة وتوحيد الهدف». لقد كان يرى في تشتت الصفوف بذرة الهزيمة قبل المواجهة، ويعتبر أنّ تعدد الرايات يعني تعدد الولاءات، وهو ما حذّر منه حين قال: «أخشى على الثورة من أبنائها أكثر مما أخشى عليها من أعدائها».
هذه الرؤية كانت ولا تزال ميثاقاً لكل حركات المقاومة التي استلهمت منهج الإمام في أن القيادة الواحدة لا تعني مركزية خانقة، بل تعني مرجعية روحية وعقلية تضبط الجميع بميزان الشرع والعقل والمصلحة العليا للأمة.
أما الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله) فقد وسّع هذا المفهوم في خطاباته الموجهة لمحور المقاومة، مؤكدًا أنّ: «التعدد التنظيمي لا يضرّ إذا كانت البوصلة واحدة، والمشكلة تبدأ حين تتعدد البوصلات وتضيع القدس من الخريطة».
وهو بذلك يرسم الفرق بين التنوع البنّاء والتشرذم الممزق، داعيًا إلى “وحدة القيادة الاستراتيجية” حتى وإن اختلفت الأذرع التنفيذية في التكتيك والميدان.
من هنا، لا يُفهم تعدد الفصائل كقيمة سلبية في ذاته، بل يُقاس بقدر التزامها بخط القيادة المركزية التي تمثل اليوم عقل محور المقاومة ومرجعيته الفكرية والشرعية.
في العراق، برزت فصائل مجاهدة قدّمت الشهداء وصنعت النصر على الإرهاب والتكفير، لكنها تواجه اليوم امتحان الوعي السياسي ووحدة الصف. فبين من يرى في استقلال قراره حفاظاً على خصوصيته، ومن يدرك أن الخصوصية لا تبرر الانعزال، تضيع الرسالة الجامعة التي ينتظرها جمهور المقاومة: موقف واحد، قرار واحد، وهدف لا يتجزأ.
الظرف الإقليمي والدولي لا يحتمل التنازع الداخلي. فالمعسكر المعادي يعمل على تفكيك كل جبهة موحدة، ويفرح بكل شرخٍ بين فصائل محور المقاومة. لذلك فإنّ الحكمة، كما يراها قادة الثورة الإسلامية، ليست في كثرة الرايات، بل في أن تكون الرايات كلها تحت ظل راية واحدة تقودها البصيرة لا الحماسة، والعقل الجمعي لا العناوين الفردية.
وهنا تبرز تجربة حزب الله في لبنان كأنموذج عملي للوحدة تحت القيادة الشرعية. فقد نجح الحزب، رغم تعدد التيارات والولاءات الشعبية داخل بيئته، في أن يكون اللسان الموحد للمقاومة الإسلامية بفضل التزامه المطلق بتوجيهات الوليّ الفقيه، وبناء منظومة قيادة مركزية توازن بين العمل الميداني والسياسي والإعلامي.
لم يُلغِ الحزب الاجتهادات، لكنه ضبطها في إطار “الولاية”، فبقيت البندقية بيد واحدة، والقرار السياسي يصدر عن عقل جمعي يرتبط مباشرة بالقيادة العليا في طهران.
هذه التجربة يمكن أن تقدم للعراق دروساً ثمينة: أنّ قوة المقاومة ليست في عدد فصائلها، بل في وحدة قرارها ووضوح من يمثل مرجعيتها الفكرية والقيادية أمام جمهورها وخصومها على السواء.
إنّ المقاومة العراقية اليوم أمام خيار تاريخي:
إما أن تثبت للعالم أنّ تعددها حكمة منضبطة داخل مشروع واحد يعلو فوق الأشخاص والعناوين،
أو أن تسقط في فخّ التعدد الذي لا يجلب إلا التنازع، فيصدق فيها قول الإمام الخميني:
«لو اتحد المسلمون لزال الكيان الصهيوني في يوم واحد، لكنهم مختلفون في كل يوم ألف مرة».




