يومَ وداع مرجع هو نطفة البركات..!
مازن الشيخ ||

لا أنسى مساء يوم ٢ حزيران عام ١٩٧٠ الموافق ٢٧ من ربيع الأول ١٣٩٠ أي قبل بضعة أيام بالتقويم الهجري ؛ ببيتنا القديم ببغداد الطوبچي وانا طالب في الصف الرابع عام الشعبة (د) من اعدادية الكاظمية ؛ حينما انقطع برنامج التلفزيون ليخرج لنا المذيع غازي فيصل ، والحزن يملأ وجهه والأسى يحشرج صوته ، يتفوه بكلمات يغص بها ويخرج ألفاظا أخذت منه مأخذها ، لقد رحل الإمام السيد محسن الحكيم الرجل الأبرز آنذاك في عالم مدرسة أهل البيت ع خاصة والمسلمين وغيرهم عامة .
سمعت هذا الخبر الممض واستمعت لهذا النبأ المجهد وانا أهمّ بالصعود الى سطح الدار حيث الطقس العراقي القديم بالمبيت ليلا على سطوح المنازل صيفا ؛ يوم لم تعرف أجهزة التكييف ومحظوظ من كان عنده مبردة الماء والليف ، ارتقيت مراقي السلم واذا بأصوات التكبير المحزن والنعي المؤبن تملأ سماء منطقنا ، فإضافة الى جامع حسينية حي السلام القريبة ، كنا نسمع اصواتا دفينة بنغمات حزينة من مآذن المدينة ؛ أي مدينة الهادي (نسبة للحاج عبد الهادي الچلبي) الحرية حاليا ، فرميت بنفسي على الفراش وراديو صغير معي لايكاد يفارقني ، بل والى الان مابرح ملازمي لا استطيع النوم الا وهو يوشش في أذني ، ثم جاء وريثه الموبايل ليضيف الى الأخبار ما يغريني من تلاوة ومحاضرة .
بت ليلة كمد انتظر صبحها وعشت أمسية وجد التمس فجرها ، نهضت مبكرا وانطلقت الى حرم الإمامين الكاظمين (عليهما السلام) مهللا ومكبرا ، واذا بالشوارع المحيطة به غاصة بحشودها ممتلئة بوفودها ، فقد زلزل الخبر المقلق مضاجعها وأزعج النعي المحرق مواضعها ؛ حتى ألقى العراق الى الكاظمية في ذلك اليوم الحزين بأكباد أهله وأفئدة شعبه ، وازدلفت لتوديع الراحل الكبير بأرواح سكانه .
اخترقت الحشود حتى ولجت أبواب الصحن الشريف . ودخلت الى ذلك الحرم المنيف ، وجوه حزينة وملامح كئيبة ، عيون بدموعها سابحة وقلوب ولهى بأحزانها طافحة . وأصوات مكبرات الحرم الكاظمي تهدر في تأبينها معلنة عن تأبينها ؛ وبيانات تقرأ وكلمات تسمع ، قصائد رثاء وألوية عزاء .
حتى إذا حان وقت انطلاق التشييع ارتفعت الأصوات ناعية ومكبّرة ، وعن عظم رزيتها بمرجعها الديني الأعلى معربة ومعبّرة ، انطلق الموكب المهيب الذي لاترى له بداية ولا تعلم أن له نهاية ، في مقدمته صفوف العلماء وكان المرجع الشهيد والمفكر المجيد السيد محمد باقر الصدر واسطة عقدهم ؛ نابض باسرار علوم إل محمد (ص) قلبه طافح بدمع الحزن طرْفه ، انطلق الموكب الحزين بهتاف وحنين الى جسر الأئمة بين الكاظمية والى الأعظمية ، وتكبيرات ومواساة من جموع الواقفين و حسرات منهم للمشيعين بها مواسين . لكنني لا أنسى لوعة بحرقة وصرخة برقة ، ساعة وصول النعش الذي تحمله القلوب لا اكفّا و الارواح لا كاهلا او كتفا ؛ وصوله الى الكسرة وجماهيرها وشارع جامع الحاج عباس التميمي وعلماء السادة الحيدرية أئمتها ، هناك علت أصوات وأي أصوات وارتفعت بالوجد صرخات واي صرخات ، وصدقت العرب فيما تقول : ليس المعزّى كالثكول !!
وحينما مررنا على كلية العلوم قبل ذلك إذ هناك خرج طلابها حتى فرغت قاعات دروسها وانضمت الى موكب التشييع المهيب جموع صفوفها .
وكان التشييع الذي لم تشهد له بغداد مثيلا أمة او قبيلا ، تشييعا جماهيريا صاخبا وتظاهرة لإدانة نظام البعث البائد شاجبا وعليه مؤلبا ولمنهج طغيانه محاربا ، فكانت مجموعات المشيعين تسير يحدو بها حزنها ويقودها ألمها ؛ بعض لهم ردات مثل ردات المواكب الحسينية ، وبعض تستهويهم الهوسات العشائرية .
حتى اذا وصل موكب التشييع الأخاذ الى مبنى وزارة الدفاع ، انبرى احد الشعراء بقامته الفارهة ولهجة للبغي كارهة ، يشير تارة للنعش المسجى وأخرى للمبنى المعنّى : ” إنت تريد تبني وهمّه للتهديم ” هذا ما زلت أحفظ منها وفيها مقطع ينتهي بالحكيم .
كما أذكر قبل ذلك أننا حينما كنا نجتاز جسر الأئمة انبرى رجل ببدلات العمال الزرقاء متبردا وناظما للاشعار ومرددا ، واذا به يهتف من شدة لوعته وعظم مصيبته : ” شلون الله يشيل غطانا ” اي كيف يكشف الله غطاءنا ؟! فانبرى له العلماء الحاضرون : اكفف فهذا القول لايجوز ؛ لأنه اعتراض على حكم الله تعالى ، قالوها له بمودة وبيان وردعوه بمحبة وحنان .
ثم واصلت المسيرة الحزينة طريقها والقلوب تختزن آلامها وتكتم على جرائم البعثيين الطغاة حنقها ، وراحت الجنازة المضمخة بعطر العلم والتقى والملتحفة بأبراد الولاء والنهى ، تشق قلب بغداد بعديدها وتمخر بالشوارع من الأعظمية ثم باب المعظم وبعده شارع رشيدها ، وقد أغلقت المحلات أبوابها وقلعت الدوائر أطنابها ، يا لله ولذلك اليوم المشهود والجمع اللامحدود …
اليوم سار عن الكتائب كبشها
اليوم غاب عن الصلاة إمامها
حتى إذا وصل الموكب الحزين الى ساحة الرصافي بشجو وحنين ، واصل طريقته والى ساحة حافظ القاضي رأيت مسيرته ، في حين عبر بعض المشيعين جسر الشهداء باتجاه شارع النصر بالكرخ وشارع العلاوي حتى ساحة المتحف ، وتجمعنا هناك بانتظار النعش الشريف العابر بمشيعيه الذين واصلوا الطريق ساعات عديدة وبمسافات مديدة ، من الصباح وهم تحت شمس تموز اللاهبة اين منها حرارة المصاب ، وما أذهلت الفاجعة من قلوب وألباب .
قد اجتازت الجنازة بمشيعيها نهر دجلة عبر جسر الأحرار فوا وجداه ، ثم الصالحية اضحت مسراه الى ساحة المتحف الوطني فكانت ملتقاه ، واذا بسيارات حكومية وحماياتها وشخصيات رسمية سيئة نياتها ، وشخصيا لم أكن أعرف حينها من هؤلاء ومن أي شرٍّ هم او بلاء ، ولكن أحد المشيعين انبرى هاتفا وبروعة نظمه هادفا : ” ها اسمع يالريّس سيد مهدي مو جاسوس إسمع يالريّس ” !! يالقوة النداء وصدق الموقف ودقة التوقيت ،
أذن هو رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر من قد حضر … ولم يكد الإعجاب والانبهار والشعور بالقوة والفخار ليخف ، او تنتهي فجأة قوته او تجف ، حتى هتف آخر بقوة أشد وهتاف آكد : ” ها اسمع يالخاين سيد مهدي مو جاسوس اسمع يالخاين ” !!!
ياالله لم اصدق ما سمعت إذناي ، ثم جاءت هوسة أُخرى : ” ها وسيد مهدي نريده اهنا اسمع يالريس ” !!!
وما زلت اتمتع بصورة ما كانت قد رأت عيناي ؛ هرب احمد حسن البكر بحماياته مسرعا وبسياراته لا مودعا ، وبلعنات جماهير المشيعين مقرَّعا ، ثم أن هذه (الهوسة) وهذا التأنيب لرأس البعث الخؤون آنذاك بساحة المتحف ما وقف ، بل الى محطات على طريق التشييع الطويلة الممتدة من بغداد الى كربلاء ومنها إلى النجف قد زحف !!!
ثم واصلت المسيرة طريقها ؛ الى كربلاء ثم النجف ، اكف تحمل الجنازة وقلوب الى مرجعها الأعلى وحوزتها منحازة ، فيما افترش كثير من المشيعين حديقة محطة السكك العالمية لأداء صلاة الظهرين وهم باكون خاشعون وبقوله تعالى مؤمنون صابرون ومتصبرون وبرحمة الله مستبشرون { وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا اليه راجعون } .




