متلازمة تايتانيك وإنهيار الحضارة الغربية..!
د. محمد هاشم البطاط ||

من ضمن التشريح الدقيق الذي شرّح عبره المفكرُ البولندي- البريطاني زيغمونت باومان (١٩٢٥-٢٠١٧م) الحضارةَ الغربية ومنجزاتها من حداثةٍ (يسميها الحداثة الصُلبة) وما بعد الحداثة (يعبر عنها بالحداثة السائلة)، يرى باومان أن هذه الحضارة دخلت في مرحلة ما يُسميها ب(متلازمة تايتانيك) قاصداً بذلك السفينة العملاقة التي غرقت بعد أن اصطدمت بجبل من الجليد.
إذ أن أفاعيل العولمة ومضاعفاتها السلبية، ونزعة التفريد المفرطة، أي تحويل كل ما هو جماعي وفردي طبيعي إلى حالة من الفردية المغالية التي تسلب أي شعور جماعي من المواطن، لأن الفرد، سياسياً، عدو للمواطن كما كان يقول المفكر القرنسي ألكسي دي توكفيل.
كما أن غياب البوصلة الأخلاقية، وإذابة كل المقومات الصلبة، بما فيها من أيجابيات، داخل مرجل الحداثة السائلة جعل المعايير تنزلق إلى نفق اللارجوع، فضلاً عن تأثيرات الفضاء الإفتراضي وعوالم السوشيال ميديا التي فككت العلاقات الإجتماعية، وحولتها إلى مجرد روابط هشة تنتهي بسرعة في زمن تحول فيها كل شيء إلى ألواح ذكية ونقرات، يظهر الآخرون في حياتك بنقرة زر، ويختفون من حياتك بنقرة آخرى!
هذه التأثيرات، وتحولاتها الخطيرة، تجعل الحضارة الغربية تتجه نحو هلاكها، من وجهة نظر باومان، بسرعة السفينة العملاقة التي لم تكن تتوقع أن جبل جليدي كهذا يمكن أن يسهم في إغراقها، بل أكثر من ذلك،
يؤكد باومان أن الفاعل الرئيس (الصامت) في قصة تايتانيك كما نعلم هو الجبل الجليدي العائم، ولكن هذا الجبل الجليدي، المتربص في الخفاء، لم يكن الهلع المميز لتلك القصة المرعبة من بين قصص رعب/ كوارث كثيرة مشابهة؛ فالرعب في الحقيقة هو كل الاضطراب الذي حدث (هنا)،
في قلب الباخرة الفاخرة، مثل عدم وجود أية خطة معقولة وناجعة لإخراج الركاب وإنقاذهم من سفينة غارقة، أو النقص الواضح لمراكب النجاة وأطواق النجاة إنه شيء لم يمثل فيه الجبل الجليدي (القابع هناك) في ليل حالك شبه قطبي سوى عاملٍ مساعدٍ، فذلك (الشيء).
(يقبع دوماً تحت أقدامنا) وينتظر حتى نقفز في المياه الجليدية حتى نواجهه مواجهة مباشرة، إنه شيء تزداد فظاعته باختفائه أغلب الوقت (وربما طوال الوقت)، فيفاجئ ضحاياه متى خرج من مخبئه، ويأخذهم دوماً على حين غرة، وقد شُلَّت حركتُهم.
لذلك يعتقد باومان أن الحضارة الغربية واهنة، ولا يفصل بينها وبين الجحيم سوى صدمة واحدة!




