تركيا الأردوغانية بين هاجس العَثمنة الجديدة وعُقدة الإنضمام للإتحاد الأوربي..!
د. محمد هاشم البطاط ||

لقد شكّلت لحظة إنطلاق مجموعة من الإسلاميين الأتراك، أو ما عرفوا بــــ”الإسلاميين المُجددين” كما أُطلقَ عليهم عندئذ، وقيامهم بتأسيس حزبٍ جديد لهم عقب الأزمات التي عصفت بحزب الفضيلة الاسلامي التركي، تحولاً جوهرياً في الفكر والسلوك السياسيين في تركيا داخلياً وخارجياً، إذ سيكون للحزب الوليد،
والذي حمل إسم “العدالة والتنمية”، اليد الطولى في قيادة خليفة الدولة العثمانية وإرثها العتيد، وقتها لم يكن أغلب المتفائلين في مقاربتهم التشخيصية لهذا الحزب الفتي أن تكون له موضعة كبرى ضمن الخارطة الحزبية في تركيا أتاتورك، إلا أن الواقع سار في طريق آخر، فكان الحزب فاعلاً جداً، ومؤثراً بقوة، كما ان أحد مؤسسيه (رجب طيب أردوغان/ولد 1954م) سيقوم بالدور المحوري في تحويله إلى متحكمٍ في المسار العام للسياسة التركية مُحدداً في الوقت عينه خارطة سلوكها تجاه العالمين الإسلامي والغربي.
ويبدو لي وجود ثيَّمٍ أساسية تتجلى أمام المتخصصين في مقاربة المشهد التركي وإشكالاته، وتتنوع هذه الثيَّم تبعاً للأولويات التي تحددها عديدُ عواملٍ داخلية وخارجية، يقف على رأسها –أي الثيَّم- العلاقة الجدلية بين الحيزين الديني والسياسي في تركيا، أو لنقل جدلية “الأسلمة” و “العَلمنة” فيها،
فمن جانب هي وريثة الدولة العثمانية بكل حمولاتها التي منها أنها دولة الخلافة الاسلامية التي عدّت نفسها وريثة لمجد خلافة المسلمين في زمن عتيق، كما أنها تلامس في زمنها الراهن بلاد المسلمين وتشترك معهم بالكثير من الأحلام والعذابات، هذا من جانب، ومن آخر هي الجمهورية التي تأسست على مقولات مصطفى كمال أتاتورك (1881-1938م) وعَلمانيته المنتشية ببتر كلِ عُرى التشابك والارتباط بالدولة العثمانية وتوجهاتها، بل وبكل ما يمت الى “الاسلامية” بصلة، وهي أيضاً، أعني الجمهورية التركية، تلاصق أوربا جغرافياً وبحلم الإنضمام لإتحادها.
ومن وجهة نظري ثمة إرتباط وثيق بين الهاجس والعُقدة، هاجس إحياء “العُثمانية” بكل حمولاتها التأريخية وإسقاطاتها الدينية/السياسية الذي يحرك أردوغان ومن معه في حزب العدالة والتنمية، وبين الرغبة العارمة في الإنضمام للإتحاد الاوربي بشكلٍ صيّرها عُقدة تهيمن على التفكير والسلوك السياسيين في تركيا، إن الإرتباط بين الهاجس والعُقدة يحدونا للإشارة الى أن ثمة علاقة عكسية بينهما،
فكلما إقتربت تركيا من الإنضمام للإتحاد الأوربي كلما إنخفض منسوب الانخراط في مشاكل الشرق الاوسط وتعقيداته بما تُمليه الدوال الاساسية للصراع فيه على مستويات “القضية الفلسطينية” والصراع العربي-الاسرائيلي، أو توازن القوى “السني – الشيعي” وصراع الإرادات والنفوذ في هذه المنطقة المغرقة بإشكالياتها بين أقطاب دولية وإقليمية،
وكلما يُدير الإتحاد الاوربي ظهره إتجاه تركيا، مُبدياً معوقات جمة تعترض طريق إنضمامها إليه، كلما أوغلت تركيا بسياستها وتدخلاتها في الشرق الاوسط وفوضاه، تارة بوصفها وريثة الدولة العثمانية راعية حقوق السُنة في العالم الاسلامي في مواجهة النفوذ الشيعي المتسع تدريجياً، وأخرى من خلال الترابط الأخواني، نسبة للإخوان المسلمين، الذي يُعد حزب العدالة والتنمية ممثلاً عنه في تركيا.
وليس هذا فحسب، بل يمكن أن نسجل أن الهاجس هذا يستخدمه حزب العدالة والتنمية كورقة ضغط لأجل الانضمام للاتحاد الاوربي وإقناع الدول المعترضة داخل الاتحاد، إذ أن تكثُّر أوراق الضغط بيد المفاوض التركي داخل منطقة مهمة بالنسبة للدول العظمى يسهم، إلى حد معين، في قوة المفاوض لا سيما مع إقحام الولايات المتحدة الامريكية نفسها على الخط، وممارسة لعبة “العصا والجزرة” تجاه تركيا،
وهو ما دفع الاتراك الى إعتقادهم بأن النفوذ المتعاظم في المنطقة سيساعدهم على ضمان أكبر قدر من المكاسب سواء في كسب الدعم الامريكي في إزالة العُقدة، فإن لم يتحقق ذلك، فلأجل قبول تركيا كشريك فاعل في المنطقة على مستوى الهاجس.
ورغم النقلة النوعية التي وثب بها أردوغان وحزبه بالجمهورية التركية على مستويات عدة منها التنمية الاقتصادية وزيادة المدخولات ورفع الناتج القومي والحركة العمرانية الواضحة وكسر طوق العزُلة الدولية الذي فرضته خليفة العثمانيين على نفسها ، أو فُرضت عليها، فإن هذا لا يُعد كافياً، لا أقل بالنسبة للأوربيين،
لمنح تأشيرة دخول الأتراك في إتحاد أوربا، خصوصاً مع وجود معوقات ذاتية تعترض هذا الطريق منها الكثافة السكانية لشعب تركيا قياساً بشعوب أوربا وهو ما سيمنح الاتراك حضوراً “تصويتياً” داخل الإتحاد بشكلٍ لا يُرضي الأعضاء القدماء في الإتحاد، فضلاً عن أن تركيا ستأتي مثقلة بحمولات صراعات العالم الاسلامي وتجاذباته وهو ما تسعى أوربا الإتحادية،
إن جاز التعبير ولاق، للنأي بنفسها عن وصوله إلى إتحادها، فضلاً عن معوقات كثر ليس غرضي هنا تقديم جردٍ حصري لها، كمسألة حقوق الانسان والاقليات والقضية الكردية والشوائب التي تعترض ممارسة الشعب التركي للديمقراطية، لا سيما وأن الجمهورية التركية تمثل واحدة من أبرز الدول الإنقلابية، أو لنقل، من الدول التي تكثر فيها الانقلابات وتدخلات العسكر والجيش فيها، وليس إنقلاب عام 2016م عنا ببعيد، عندما قام مجموعة من الضباط الأتراك بقيادة إنقلاب، ومن ثم نجحت السلطات التركية بإفشاله، وما تلاه من حملة المحاكمات والاعتقالات والفصل عن العمل والعقوبات المُبالغ فيها التي مارستها السلطات التركية ضد خصومها.
من هنا أعتقد أن ثنائية “الهاجس” و “العُقدة” ستظل ماثلة في المشهد التركي طالما أن الإسلاميين الاتراك بزعامة حزب العدالة والتنمية سيبقون مهووسون بهاجس إحياء الخلافة العثمانية وضرورة أن تبقى تركيا قائدة للعالم الإسلامي “السني”، في خضم تزايد المعوقات التي تعترض حلحلة عُقدة الإنضمام للإتحاد الاوربي، وأن على من يريد أن يتعامل مع السياسة التركية من سائر الدول عليه أن يأخذ بنظر الإعتبار العلاقةَ الجدلية بين طرفي هذه المعادلة المركبة في المُدرَك السياسي التركي.




