الجمعة - 12 يونيو 2026

رصانة الكلمة في مواجهة الابتذال..!

منذ 10 أشهر
الجمعة - 12 يونيو 2026

✍ د. رعد هادي جبارة ||
الأمين العام للمجمع القرآني الدولي

 

 

 

📍يقول الله تعالى في وصف طائفة من الناس:
﴿فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ [الأحزاب: 19]،
ويقول سبحانه:
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور: 24].

📍كما قال النبي ﷺ وآله: «ليسَ المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ ولا الفاحشِ ولا البَذيءِ» ( الترمذي).
وفي حديث آخر:
«ما شيءٌ أثقلُ في ميزانِ المؤمنِ يومَ القيامةِ مِن خُلُقٍ حسنٍ؛ فإن اللهَ تعالى لَيُبْغِضُ الفاحشَ البذيءَ» .

📍من هنا ندرك أن خطر الكلمة الفاحشة و البذاءة ليس مجرد قضية ذوق أو أسلوب أدبي، بل هو أمر يتعلّق بأخلاق المسلم ودينه، و بصورة المجتمع وهويته.
وهنا يبرز السؤال: هل وصلنا إلى مرحلة العجز عن تطهير الأقلام و منصات التواصل من الكلمات الهابطة؟
سؤال يفرض نفسه بعد المقال السابق [بين الرصانة والابتذال: ظاهرة الكلمات الهابطة في الأدب ووسائل التواصل]، الذي أثار نقاشًا واسعًا وتفاعلات لافتة بين مؤيد و معارض. فمنهم من رأى أن حماية نقاء اللغة مسؤولية ثقافية لا غنى عنها، ومنهم من اعتبر أن “لغة التواصل” لا تُقاس بمقاييس الأدب الكلاسيكي!.

📍ملخص المقال:
في مقالنا المذكور سلطنا الضوء على ظاهرة تفشّي التعابير الهابطة في النصوص الأدبية المنشورة عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي. وقد ناقشنا جذور هذه الظاهرة، وانعكاساتها على الذائقة اللغوية، ومخاطرها على صورة الأدب العربي المعاصر، مع طرح رؤية متوازنة تجمع بين النقد والبحث في الحلول الممكنة.

📍أبرزالأصداءوالردود:
1في المواقع الإلكترونية
لقي المقال تداولًا واسعًا في المنصات الثقافية والإخبارية، حيث أعادت كثير من المواقع والصحف والمجلات نشره مع تعليقات إيجابية على عمق الطرح. وقد تصدّر بعض قوائم “الأكثر قراءة” يومين متتاليين، خاصة في المنصات المهتمة بالأدب والثقافة.

2.في وسائل التواصل الاجتماعي:
شهد المقال تفاعلًا كبيرًا عبر تويتر/إكس وفيسبوك مع وسوم مثل: #الكلمات_الهابطة و #الأدب_الرقمي. وقد شاركه مثقفون ومدونون معتبرين أنه يفتح نقاشًا طال انتظاره حول مسؤولية الكتّاب وصناع المحتوى.
لكن بعض القراء الشباب انقسموا بين مؤيد يرى أن المقال يدافع عن نقاء اللغة، وآخرين اعتبروا أن لوسائل التواصل لغتها الخاصة التي لا ينبغي قياسها بمقاييس الأدب الكلاسيكي.

3.ردود النقادوالكتّاب:
رحّب نقاد وأدباء بالطرح، مشيدين بقدرة المقال على الجمع بين النقد العلمي والأسلوب الصحفي الجذاب. فيما اعتبر بعضهم أن المقال قد يشكّل أرضية لحوارات مستقبلية أو ندوات حول الأدب في عصر الإعلام الجديد.

📍 مفارقة لافتة:
أثناء متابعة النقاش، استوقفني تعبير ورد في مقال لرياض سعد:
«لا تحاول تنظيف الزريبة فتتسخ ملابسك وتُغضب البهائم».
هذا التعبير يذكّر بالمقولة الشهيرة: «لا تُصارع خنزيرًا في الوحل، فتتسخ أنت ويستمتع هو»، وقد جرى تداوله عربيًا بصيغ مختلفة مثل: «لا تحاول تنظيف أي زريبة فكرية، فستهدر جهدك وتوسخ نفسك وتزعج البهائم».

وأنا أتحفظ على هذا الوصف، لكنه يكشف شيئًا مهمًا: أن بعض الكتّاب باتوا يرون محاولات الإصلاح في منصات التواصل ضربًا من العبث، بل مغامرة قد تجلب على صاحبها الهجوم والنطحات.

📍مثال واقعي:
من الطريف – وربما من المؤسف – أن يتزامن نشر مقالي ضد الابتذال في موقع […] مع نشر قصيدة في الموقع نفسه تعج بألفاظ نابية، حتى أن عنوانها كان [يا شاعر الخـ..ـ..ـيتين] للبديوي. وهذا مثال صارخ يؤكد ما ذهبنا إليه: أن اللغة الهابطة لم تعد محصورة في منشورات عابرة يرسلها مراهق على وسائل التواصل، بل تسللت إلى منابر أدبية يُفترض أن تحافظ على قدر من الرصانة.

📍بين النقد والتطبيع
لقد أصبح النقاش حول الظاهرة ضرورة لا ترفًا ثقافيًا. فالقارئ الواعي اليوم يملك القدرة على التمييز بين أدب يُثري الذائقة، وبين نصوص ركيكة لا تزيد عن كونها شتائم مقنّعة وابتذالًا لغويًا.

📍أمام مفترق طرق:
إما أن نستسلم للتطبيع مع الابتذال باعتباره “واقع حال”،
وإما أن نعيد الاعتبار لرصانة الكلمة، ونقاء التعبير، وسلامة الخطاب، وعفة اللسان، حفاظًا على ذائقة الأجيال القادمة.

ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل سنواصل التغاضي عن الابتذال لأنه واقع حال لا يُمكن تغييره؟ أم سنستعيد مسؤوليتنا في الارتقاء بالخطاب واللغة؟
🖊🖊🖊🖊🖊