أحب إخواني إلي من أهدي إلي عيوبي..!
✍📃 الشيخ الدكتور عبد الرضا البهادلي ||
٤/ ٨ / ٢٠٢٥

عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: أحب إخواني إلي من أهدي إلي عيوبي . الكافي ، الشيخ الكليني ، ج ٢ ،ص ٦٣٩ .
نتعرض الى هذا الحديث في عدة نقاط .
📍١. روعة الحديث: هذا الحديث من أروع الأحاديث التي ينبغي أن تُكتب بماء الذهب. ليت الحكومات والمؤسسات تضعه في مناهجها الدراسية، بل وتعلّقه في الأماكن العامة ليقرأه الناس، وليت الأسر تضعه في بيوتها ليتذكّروه يوميًا، حتى يترسّخ ويُزرَع في النفوس.
📍٢. من الامور المهمة في الحديث والتي يجب أن لا نهملها ان الامام عليه السلام لا عيب فيه ، لانه معصوم وكامل ومراقب لنفسه وهو قدوة للامة فكيف طلب من المؤمنين أن يهدوا اليه العيب؟ وما يمكن الجواب عليه مختصرا. ان هذا تعليم لاصحابه والمجتمع والامة أو أن الامام يريد بهذا أن يجرأ اصحابه على نصيحته فإذا صارت لهم جرأة على نصحه فهم اولى بقبول النصيحة. أو قد يقال ان الامام يطلب هنا حقيقة أن يهدوا اليه العيب وليس من باب التعليم وهو دليل تواضعه الكامل ، فالكمال لا حد له والامام يسعى للكمال بشكل دائم….
📍٣. الكمال لله وحده: في هذه الحياة، لا أحد يبلغ الكمال المطلق سوى الله تعالى، ومن اصطفاهم ووهبهم الكمال من الأنبياء والرسل والأئمة عليهم السلام، وهم قلة في كل زمان. أما سائر البشر، فمهما ارتقوا في مراتب العلم والفضيلة، فإنهم يظلون عرضة للخطأ، ولا يخرجون عن دائرة النقص البشري وعدم العصمة.
📍٤. ترسيخ ثقافة تقبّل النصيحة:
لكي نتمكن من قبول النصيحة أو النقد من الآخرين، نحن بحاجة إلى ترسيخ ثقافة قائمة على احترام الرأي الآخر والانفتاح على ملاحظاته، مع وعيٍ بأن النقد الصادق هو وسيلة من وسائل التكامل والنضج، لا وسيلة للإساءة أو التقليل.
📍٥. سعادة الدنيا والآخرة: إن لهذا الحديث آثارًا عظيمة تمتد إلى الدارين؛ فمن يعمل به يظفر بسعادة دنيوية تتمثل في تطوير الذات وتحسين العلاقات، وسعادة أخروية تتجلى في رضا الله ونيل الأجر، لأن قبول النصيحة باب من أبواب الهداية والتزكية.
📍٦. لنأخذ مثالًا تطبيقيًا يجسّد مضمون هذا الحديث الشريف:قد يتصدى بعض الأشخاص لمسؤولية دينية أو دنيوية، وسرعان ما يحيط به ثلّة من المنافقين والمتملقين الذين يكثرون من المدح والثناء، فيُغرقونه بكلمات مثل: “أنت الأفضل… أنت الأكمل… انت الاحسن ،انت لا مثيل لك ، انت القائد ،وانت انت وهكذا ” حتى يكبر “شيطانه” في داخله، فيُخيّل إليه أن رأيه هو الأصوب، وأن قراراته لا تحتمل الخطأ ..وهنا تنطبق عليه الآية الكريمة: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104].
عندئذ، يُصاب بغرورٍ معرفي يمنعه من تقبّل أي نصيحة أو ملاحظة، ويبدأ برؤية الآخرين على ضلال، ونفسه وحده على حق، فيغلق بذلك أبواب الإصلاح والتكامل، ويهوي في درك الوهم والخداع الذاتي.
📍⬅ وها هنا يحسن بنا أن نستذكر قصة علي بن يقطين (رضوان الله عليه) مع إبراهيم الجمال، حين قدم الأخير إلى بغداد فامتنع علي عن استقباله وحجبه عنه. ولعل هذا التصرف – وإن لم يكن معصيةً كبرى – إلا أن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) عنّفه ووبّخه، لأنه أراد له أن يكون شيعيًا مؤمنًا حقيقيًا في سلوكه وتواضعه لا بالانتماء فقط.
📍فما كان من علي بن يقطين، بعد أن أدرك خطأه، إلا أن بادر إلى الاعتذار، ولم يكتفِ بذلك، بل وضع خدّه على التراب وطلب من إبراهيم الجمال أن يضع قدمه على خده ، ليمحو ما علق في نفسه من كِبرٍ وغرور، ويطهّر قلبه من الأنا.
📍هذا هو دين الله تعالى، وهذا هو نهج أهل البيت (عليهم السلام) في التهذيب والتواضع ونبذ الكبر. وأما من لا يعمل بهذا الفكر، فإنه يُحسب على التشيّع مجازًا لا حقيقة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.




