(محنة الإمام الحسن (ع) بين الخيانة والتخوين)..!
د. محمد هاشم البطاط ||

ورث الإمام الحسن بن علي (ع) تركةً ثقيلة بعد شهادة الإمام علي بن أبي طالب (ع)، إذ كانت الكوفة، وهي عاصمة الدولة الإسلامية الفتية، تموج بها الفتن والتيارات المتناحرة فكراً وسلوكاً، حروب ثلاث خرج منها أهل الكوفة بمزيدٍ من الإنقسام والتشرذم وغياب البوصلة، ولم تكن المساعي الإصلاحية التي إشتغل عليها الإمام علي (ع) بقادرةٍ على إحداث التغيير المطلوب في ظل عدم رغبة القاعدة الجماهيرية على الإنضباط والطاعة،
ولم يكن أهل البيت يرغبون في إعتماد الحديد والنار في بسط النفوذ وأخذ الولاء، فمن لم يأت به قلبه محباً ومطيعاً، لا ينفع أن يدخل في قاموس الموالين.
وفي المقابل كان العدو اللدود، معاوية بن أبي سفيان، يعتمد كل أسلوب ممكن، بعيداً عن أي بوصلةٍ أخلاقية أو رادع ديني؛ لبسط النفوذ والسلطان، تجهيل ممنهج، نشر للعقيدة الجبرية التي تؤسس للخضوع والتسليم للحاكم، تلبس بالدين جعل من الشاميين في حالةٍ من الهذيان الجماعي، تحالف مع الروم دفع بعض المؤرخين يشككون حتى في إسلامه، مكر وخداع عبرَ ماكنة عمرو بن العاص ومشغله القائم على ميكافيلية مستترة بالدين وشرعية الفتوى.
في ظل هذا الواقع المأزوم، يمكننا تلمّس طبيعة المحنة التي عاشها الحسن بن علي، وهو يروم تجييش جيش جديد لمحاربة الشام وسلطانها الأموي، ومن ثم المآلات المأساوية التي دفعته الى الصلح مع معاوية، فمن جهة تعرض الإمام الى خيانة، بل خيانات، من قادة جنده وجنوده، هذا عُبيد الله بن العباس، إبن عم أبيه، وأحد قادة جيشه ينضم الى جيش معاوية جرّاء رشوة كبيرة بمليون درهم مصحوبة بتطمينات المنصب والجاه!، وغيره الكثير من قادة وجنود، حتى بلغت الخونة المرتحلين عن جيشه قرابة ثمانية آلاف مقاتل، بل وطعنه أحدهم وهو يصلي، وكذلك أقدم الجراحُ بن سنان على طعنه في فخذه حتى بلغ العظم!
وفي المقلب الآخر، يتعرض الإمام الى تهمة التخوين من قبل الآخرين؛ لكونه لم يقاتل، وثمة موقف مؤلم يمكن أن يشي لنا بمديات المحنة وواقعها المؤلم التي رزح تحت وطأته الإمام، وهو كاشف عن غياب الخيارات أمام الإمام في نزوله صوب توقيع وثيقة الصلح،
إذ يدخل عليه أحدهم، فيسلم على الإمام بقوله (السلام عليك يا مُذل المؤمنين)!!
وهي عبارة مؤلمة تكشف عن فكر تخويني يحمل الإمام مسؤولية عدم القتال، لذلك ردّ عليه الإمام بالقول (لستُ بمذل المؤمنين، ولكنني معز المؤمنين، إنى لما رأيتكم ليس بكم عليهم قوة، سلّمت الأمر لأبقى أنا وأنتم بين أظهرهم…).
هنا نكون أمام ثنائية الألم، والمحنة، والمأساة، بين (من لا يعينك على القتال لأنه خانك، ومن يتهمك بعدم القتال فيخوّنك)، هذه المحنة التي لا يمكن أن نتصور كل أبعاده، بل يكفي لبعضها أن يجعلنا نستوعب مديات التعقيد في الواقع الملتبس والشائك الذي قاد الإمام الى صلحه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.




