اثنا عشر يوماً من العدوان الإسرائيلي الأميركي على ايران، حسابات الحقل والبيدر..!
سعد صاحب الوائلي ــ 24/06/2025 ||

دونما أَيَّةِ مواربة، ولا تحيز، وبعين المنصفين، فإنَّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد إنتصرت في هذه المواجهة التاريخية بين إسرائيل وأميركا.
وإن كان لدى البعض شكٌ في هذا الحكم، تعالوا لنقيّس ونُعَيّر بمعايير المنطق وحسابات الربح والخسارة ليحكم هذا البعض بنهاية المطاف ومعهم كل المنصفين والعقلاء في العالم، بأن الجمهورية الإسلامية في ايران قد انتصرت بجدارة في هذه المواجهة. لنبدأ من حيث الأهداف والشعارات:
ـــ إسرائيل إدعت أن أهدافها وشعاراتها من الحرب هي :
= تدمير البرنامج النووي الإيراني واخراجه من المعادلة المستقبلية، حتى وإن كان برنامجاً للأغراض السلمية.
= إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية والإتيان بنظام موالٍ يواكبها في مشروعها المعلن والقاضي بتغيير خارطة الشرق الأوسط، وإدخاله في موازين قوى جديدة تؤسس لإسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات.
= إخضاع إيران بالقوة العسكرية وبالترهيب، كما أخضعت جميع بلدان المنطقة ولجمها بإتفاقيات وتفاهمات مذلة وهزيلة، كما رأينا ذلك مع بلدان عدة في الخليج والمنطقة، كالأردن ومصر وقطر والإمارات والبحرين والسعودية والمغرب، وغيرها.
وبقراءة متأنية، سنجد ان النتائج التي خرجت بها حرب الأيام الاثني عشر التي اشعلتها إسرائيل وأميركا على ايران لم تحقق أيَّاً من هذه الأهداف التي كانت معظمها معلنة وبعضها الاخر مبطناً مستبطناً بالسلوك الإسرائيلي والأميركي.
لنعد الى جردة الأهداف الإسرائيلية، فهدف اسقاط نظام الجمهورية الإسلامية في ايران لم يتحقق بالمرة، على الرغم من انها جَنَّدَتْ عشرات الآلاف من المعارضين الإيرانيين في الداخل الإيراني، وأمدتهم بالأموال المهولة، وبشحنات كبيرة من الطائرات المسيرة مختلفة الاحجام والمهام، وبأطباق (انترنيت ستارلنك)،
فضلا عن الأسلحة ومعدات الاتصال المتطورة، كما سخرت وسهّلت عبر عملاء الداخل الإيراني في العديد من المنافذ الحدودية الرسمية وغير الرسمية لتسهيل دخول تلك الشحنات الكبيرة من الأجهزة والمعدات والأموال المهولة والطائرات المسيرة الى الداخل الإيراني، غير أنَّ كُلَ ذلك لم يجد نفعاً، بل زاد من التلاحم الشعبي في الداخل الإيراني، وبات أشد قوة.
الهدف الاخر المتمثل بإخضاع ايران بالقوة العسكرية وإجبارها للإذعان للمخططات الإسرائيلية والأميركية في المنطقة، والتماهي مع المساعي بإحداث تغييراتٍ جوهرية في خارطة الشرق الأوسط، وإحداث ميزان قوى جديد تكون إسرائيل الكبرى فيه بيضة القبان، وبالطبع، هذا الهدف ،
هو الآخر لم يتحقق بالمرة، إذ أصبحت إسرائيل أكثر عزلة وتفاقمت كراهيتها ليس لدى شعوب المنطقة وحدها، بل لدى جميع الشعوب المنصفة في العالم، وحتى في الداخل الأميركي، بل وفي الداخل الإسرائيلي نفسه.
ــ الهدف الأكثر أهمية للعدوان الإسرائيلي على ايران والذي كان معلناً، هو تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل، وهذا الهدف لم يتحقق هو الآخر، على الرغم من الضربات الأميركية بقمة التقانة الحربية في العالم المتمثلة بطائرات (B2) الاستراتيجية الشبحية القاصفة، وبواسطة أضخم وأذكى القنابل التي صنعتها البشرية حتى اليوم وهي ام القنابل (قنبلة GBU-57) ذات القدرات التدميرية الهائلة وذات القدرة على حمل الرؤوس النووية الاستراتيجية.
صحيح ان تلك القنابل عطَّلتْ وأخَّرتْ عمليات التخصيب والتعدين ووتيرة العمل في المفاعلات والمنشأت النووية الإيرانية (فوردو، نطنز، أصفهان) في الداخل الإيراني، لكنه وطبقا لتقارير واقعية أميركية وحتى إسرائيلية اشارت وبوضوح الى ان المفاعلات والمخصبات ومنشآت التعدين النووية الإيرانية تضررت بنسبٍ معينة تستطيع ايران ان تتلافاها وتصلحها وتستأنف العمل بها ومواصلة عملياتها وانجازاتها النووية في طي أزمان قد لا تبدو طويلة.
الآن.. لنترك جردة الأهداف الإسرائيلية التي خابت بمجملها، ولنعرج على ما حققته ايران خلال هذه المنازلة الأسطورية الكبرى طيلة أسبوعين من العنفوان والشموخ الإيراني في هذه المعركة التي اقل ما يمكن توصيفها بأنها تأريخية بكل ما في هذه الكلمة من معنى.
اولاً : خرجت ايران بإقتدار مضاف الى إقتدارها العلمي والمعرفي الأول، وبثقة مطلقة بالنفس تفوق ثقتها بنفسها في مرحلة ما قبل حرب الأيام الاثني عشر.
ثانياً : زاد وتعاظم التلاحم الشعبي في الداخلي الإيراني بصورة ملحوظة، مُعيداً الأجواء الى زمن تفجر الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 بقيادة الامام الخميني الراحل (قدس)، حيث اصطفت كل القوى سواء المحافظين او الإصلاحيين، بل حتى قوى كانت تُحسب على المعارضة الداخلية، إذ اصطفوا بأجمعهم في مواجهة العدوان الإسرائيلي الأميركي الغاشم على بلادهم.
ثالثاً: تمكنت القوى الأمنية والاستخبارية وحرس الثورة الإسلامية من تنظيف معظم الداخل الإيراني من العملاء والجواسيس والإرهابيين والدخلاء، واستطاعت ان تلجم جميع تلك القوى التي كانت تأتمر بأمر تل ابيب وواشنطن ولندن وباريس وبرلين حتى وقت قريب، وألزمتهم الإذعان والركون الى الواقع القاضي بأن ايَّة مؤامرة او مغامرة او تورط بالتعاون مع الأعداء فمصيره الشنق في ميدان إعدام وسط العاصمة كما يسميه الإيرانيون في الداخل.
رابعاً: رسمت ايران معادلةَ ردعٍ جديدة مع إسرائيل ومع اميركا بل مع المنطقة ككل، مفادها بأنَّ أيَّة إعتداءت على شبرٍ من الأراضي الإيرانية سيقابله رداً فورياً قوياً ، الصاع بصاعين، وإن علت التضحيات في الداخل الإيراني.
خامساً : حققت ايران لنفسها موقعاً مناطقياً وعالمياً جديداً لتثبت بأنها قوة عظمى يستحيل تجاوزها في أيَّة معادلات تخص المنطقة والعالم، حاضراً ومستقبلاً، حفرت هذا الموقع بسلوكها المنصف والعقلائي والمنطقي، المؤسس على ثابت القوة، وعلى ركائز عدم التسامح مع المعتدي بكل ما يخص موضوعة السيادة (دعوى القوي، كدعوى السباع، من الظفر والناب برهانها). وبهذا بات الغرب ومن قبلهم إسرائيل وأميركا يحسبون لإيران ليس الف حساب، بل مليون حساب قبل ان يتخذوا حيالها اية خطوة غير محسوبة النتائج.
سادساً: أصبحت ايران في حل من معاهدة الـ(NPT) النووية بعد ان خرق أصحاب الشأن مواثيقهم وعهودهم عندما ضربوا المفاعلات النووية الإيرانية، حتى بات الخيار الآن امام طهران مفتوحاً في مجالات التخصيب والتعدين وسواهما بالدرجة التي تريدها،
وبالجغرافية التي ترتأيها، بل ربما ستصعد من خياراتها بإعادة تقييمها لعقيدتها النووية تحت الضاغط الشعبي الذي يدعوها لتصنيع القنبلة النووية الإيرانية الأولى وادخالها في معادلة الردع الوطني، لتكون القوة النووية الإسلامية الثانية بعد باكستان في المنطقة ربما في القريب.
سابعاً : نالت ايران تعاطفاً كبيراً من المجتمع الدولي ومن بعض المنظمات الاممية، لاسيما من الحلفاء مثل الصين وروسيا وباكستان، وأن لم يكن بمستويات الدخول المباشر في الحرب، ولكن هذه المنازلة نبهت القوى الكبرى بضرورة الارتباط باتفاقيات عسكرية ناجزة مع ايران بعدما اثبتت بانها حائط صدٍ جيوسياسي لا يقهر في المنطقة، فكيف اذا جاء ضمن قوى استراتيجية جيوسياسية عظمى كالصين وروسيا وباكستان وربما تركيا أيضا.
ربما سنعرج بمقالٍ لاحق الى جردة ما انغمست به إسرائيل مستنقع مذل خلال وبعد حرب الأيام الاثني عشر وتورطها في وحل محيط من الخسائر والنكبات المتتالية.




