إشكالية مقاومة التغيير..!
محمد صالح حاتم ||

تعد ظاهرة مقاومة التغيير من أهم التحديات التي تواجه أي مبادرة تحولية، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات أو حتى المجتمعات بأكملها..
ولعل كتاب «من حرك قطعة الجبن الخاصة بي؟» للمؤلف سبنسر جونسون من ابلغ من تناول هذا الموضوع، حيث يوضح الكتاب كيف أن التمسك بالوضع الراهن،حتى لو كان غير فعال، ففي سرد رمزي بسيط، بيّن كيف أن البعض حين تتغير الظروف من حوله يبادر بالبحث عن خيارات جديدة، بينما يظل آخرون عالقين في أماكنهم، يرفضون الواقع الجديد، ويتمنون لو أن الزمن يعود إلى الوراء.
مشكلة التغيير لا تكمن في الرؤية أو في الأفكار، بل في الاستعداد النفسي والذهني لقبول التحول. فالناس بطبعهم يميلون إلى ما اعتادوه، حتى وإن كان غير عادل، أو غير صالح، أو غير نافع. وما إن يُطرح مشروع تغيير جاد، حتى تبدأ الأسئلة والترددات والمخاوف. البعض يخشى أن يفقد امتيازاته، والبعض الآخر لا يرى في التغيير سوى عبء إضافي. وهناك من لا يثق بأي تغيير أصلاً، لأنه لم يعِش إلا في أجواء السكون والجمود والفساد.
هذه الإشكالية تبرز اليوم بوضوح في المشهد اليمني، حيث لا تزال مرحلة التغيير الجذري التي أعلن عنها السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي تتقدم بخطى شجاعة، لكنها تُواجَه بعوائق خفية وأحيانًا علنية، من قِبَل أفراد وجهات ليست مؤمنة بهذا التحول، أو ليست جاهزة للانخراط فيه.
إن الرؤية التي قدّمها السيد القائد، منذ انطلاقة المسيرة القرآنية، لم تكن مجرد دعوة سياسية أو تغييرًا في الوجوه والمناصب، بل كانت دعوة لنهضة شاملة، تقوم على التحرر من التبعية، وبناء دولة ذات سيادة، ومجتمع يرتكز على القيم القرآنية والعدل الحقيقي. غير أن مثل هذا التحول الجذري لا يروق لأولئك الذين وجدوا في الواقع الفاسد القديم متنفسًا لمصالحهم، ولا يعجب أصحاب الذهنية الإدارية الكسولة، ولا ينسجم مع أولئك الذين يريدون الاحتفاظ بمواقعهم دون أن يغيروا من أدواتهم ولا من عقولهم.
في واقعنا اليوم، ثمة مقاومة صامتة تسري داخل بعض مؤسسات الدولة، تتجلى في البطء، والتثبيط، والتعامل الروتيني الذي يفرغ القرارات من مضامينها. هناك من يُظهر التأييد في العلن لكنه يعطّل التوجهات في الواقع، وهناك من يروّج للإحباط واليأس وكأن شيئًا لم يتغير، بل ربما يزعم أن التغيير مستحيل. وهؤلاء ليسوا قلة، بل يتواجدون في مواقع مفصلية تمكّنهم من التأثير وإرباك المسيرة.
التغيير لا ينجح فقط بالنوايا الصادقة أو بالخطب الثورية، بل يحتاج إلى بيئة حاضنة، وذهنية مؤمنة، وسلوك يومي ملتزم، وتطهير مستمر للمسار من العوائق التي تتلبس بالولاء، لكنها في العمق تقف حجر عثرة في وجه التحول المنشود.
إننا اليوم بحاجة إلى مكاشفة جريئة. من يريد أن يكون جزءًا من المشروع القرآني فعليه أن يتجرد من أهوائه، وأن يتحرك بإخلاص، وأن يثبت صدقه في الميدان لا في الشعارات. ومن لا يريد التغيير فليتنحّ جانبًا، فمسيرة بناء الدولة العادلة لا تحتمل المترددين ولا المتلونين ولا أولئك الذين يضعون قدمًا في الماضي وأخرى في المستقبل.
حين نُدرك أن أخطر عدو للتغيير ليس الجبهة الخارجية ولا الحرب الاقتصادية، بل هو التردد والتواطؤ والتثبيط من الداخل، سنفهم أن معركتنا اليوم ليست فقط مع بقايا العدوان، بل أيضًا مع بقايا الذهنية القديمة، ومع أولئك الذين يحاولون تجميل الفساد أو تسويغ العجز أو تعطيل مسارات التصحيح.
ومع أن التغيير سنة من سنن الحياة، إلا أن التاريخ علمنا أن كل تغيير حقيقي لا بد أن يمر بمراحل من الألم والمقاومة. ومع ذلك، لا شيء يستطيع أن يقف في وجه الإرادة الصادقة مع وجود القيادة الواعية، ومجتمعًا حيًا يرفض أن يعيش على هامش الحياة.
المطلوب اليوم أن نُحصّن أنفسنا وواقعنا من الداخل، وأن نُميّز بين من يعمل من أجل الشعب، ومن يعمل من أجل نفسه، وبين من يتظاهر بالولاء ومن يُجسّد الوفاء. فالتغيير مشروع حضاري لا يتم إلا إذا آمنا به جميعًا، وسرنا في طريقه بلا تردد، وواجهنا مقاوميه بالحزم والوضوح.




