وهم الحل الأوحد في العراق قراءة في عقلية الاستفراد بالقرار في ظل الواقع الراهن..!
طه حسن الأركوازي – الخبير بالشأن السياسي والأمني

كم يبدو ساذجاً ومثيراً للشفقة ذلك الشخص الذي يتوهم أمتلاكه وحده مفاتيح الخلاص وعبقرية فذة كفيلة بفك طلاسم الأزمات المستعصية التي تعصف بالعراق على شتى الأصعدة ، يختزل هذا الشخص بصلف عجيب كُل الإمكانيات والحلول في ذاته الضيقة ، بينما يصنف الآخرين في خانة العدمية أو الجهل المركب ، متجاهلاً ركام التجارب السابقة التي لم تثمر إلا مزيداً من التعقيد .
هذه النظرة الأحادية التي تتجاهل حجم التعقيدات وتشابك المصالح السياسية والاقتصادية ، وتُقصي كل رأي مخالف ، هي في حقيقتها أنعكاس لعقلية متصلبة وغير قادرة على أستيعاب الواقع العراقي المتغير باستمرار .
فالأزمات التي يمر بها العراق ليست وليدة لحظة ، بل هي تراكمات لعقود من السياسات الخاطئة والتجاذبات الإقليمية والدولية المعقدة ، فضلاً عن معضلة الفساد المستشري الذي ينخر مؤسسات الدولة ويستنزف مقدراتها ، كما تشير إليه بوضوح أهتماماتك البحثية .
إن اختزال الحلول في رؤية فردية مهما بدت براقة في نظر صاحبها ، هو قصر نظر يفتقد إلى الحكمة والرؤية الشاملة التي تتطلبها طبيعة المرحلة ، فالوطن بحاجة ماسة إلى تضافر جهود جميع أبنائه ، من مختلف الخلفيات والانتماءات وأستثمار كل الطاقات والكفاءات المتنوعة، والانفتاح على مختلف الآراء والمقترحات ، لا سيما تلك التي تنبع من صميم معاناة الشعب .
التجربة العراقية المعاصرة أثبتت مراراً وتكراراً أن الاستفراد بالقرار والاعتقاد المطلق بصحة وجهة النظر، وتهميش الآخرين ، لم يفضِ إلا إلى مزيد من الانقسام السياسي ، وتعميق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ، وتأخير تحقيق الاستقرار المنشود .
إن التحديات الجسيمة التي تواجه العراق ، بدءاً من بناء مؤسسات دولة قادرة على تقديم الخدمات الأساسية ، مروراً بمكافحة الفساد بكل أشكاله ، وصولاً إلى تحقيق مصالحة وطنية حقيقية ،
تتطلب تواضعاً في الطرح ، ورحابة صدر في الاستماع إلى الأصوات المختلفة ، وشجاعة في الاعتراف بالخطأ وتقويم المسار ، وإيماناً حقيقياً بقيمة العمل الجماعي والمؤسساتي ، وحده الحوار البناء والشراكة الحقيقية بين جميع الأطراف الوطنية ، بعيداً عن الغرور والأنانية والمحاصصة التي طالما كانت عائقاً أمام تقدم البلاد ، هو الكفيل بإخراج العراق من عنق الزجاجة نحو مستقبل أفضل .
أما أولئك الذين يظنون أنهم يملكون وحدهم عصا سحرية أو رؤية خارقة ، فهم في الحقيقة أسرى أوهامهم ، وربما يكونون جزءاً من المشكلة المستمرة لا الحل المنشود.
أخيراً .. إن تجاوز هذه العقلية المتضخمة التي ترى الحلول حكراً على فرد أو فئة قليلة والتوجه نحو تبني رؤية تشاركية تحتضن جميع العراقيين ، هو السبيل الأمثل لتحقيق الاستقرار والتقدم المنشود ، فوحده الإيمان بقوة التنوع والعمل المشترك بعيداً عن غطرسة الفرد الواحد سيقود العراق إلى بر الأمان …!




