الخميس - 11 يونيو 2026
منذ سنة واحدة
الخميس - 11 يونيو 2026

د. مسعود ناجي إدريس ||

 

 

خصائص أخرى للمناسك:
لقد ذُكرت العديد من السمات والمميزات لمناسك الحج، وفي هذا المبحث سيتم التطرق إلى بعضٍ منها، على سبيل المثال.

٤.١ – الحج من شعائر الله
القرآن الكريم بعد ذكره لبعض مناسك الحج، اعتبر مجموعها من شعائر الله:
(يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمّين البيت الحرام)؛
فالشعائر هي راية الإسلام وتجسّد مضمونه وأهدافه.

٤.٢ – حضور القادرين (المستطيعين)
بما أن الحج واجب على من استطاع إليه سبيلاً:
(ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)،
[آل عمران/، ۹۷. ]
فإنه في كل عام، يحضر جمع من أبناء المجتمعات الإسلامية إلى مكة، مما يبرز غنى وقوة المجتمع الإسلامي اقتصادياً ومالياً.

٤.٣ – وجود الفقراء والمحتاجين في الحج
رغم أن الحج واجب على المستطيعين، إلا أن وجود الثروة في موضع ما يجذب المحتاجين إليه طلبًا للرزق والعمل. لذا، شُرع الاهتمام بهم في أحكام الحج:
(وأطعموا البائس الفقير)[ الحج/، آیه۲۸].

(فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر)[ الحج/، ٣٦.]
وقد تم التأكيد مرارًا على تلبية حاجاتهم.
٤.٤ – الحج كذكر لله
من أهداف مناسك الحج المقدسة هو ذكر الله، وليس الذكر الذهني فقط، بل هو ذكر عملي يتحقق من خلال أداء المناسك:

(ويذكروا اسم الله في أيام معلومات)[. الحج/، آیه۲۸].
(ولتكبروا الله على ما هدىٰكم وبشر المحسنين)[ الحج/، 37].
٤.٥ – الارتباط بالنبوّة والإمامة
مناسك الحج مرتبطة بالنبوّة والإمامة. فبعد الطواف – وهو من المحاور الأساسية في الحج – تُفرض صلاة الطواف:

(واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)[البقرة/، آیه125].
أي أن الصلاة يجب أن تُؤدى خلف مقام إبراهيم.
وكون مقام إبراهيم يجب أن يكون بين المصلي والكعبة يدل على أهمية النبوّة والإمامة إلى جانب الكعبة.
النبي إبراهيم عليه السلام هو شيخ الأنبياء، وتؤمن به الديانات الكبرى (الإسلام، المسيحية، اليهودية).

أهم موضع ذكره الله بجانب الكعبة هو مقام إبراهيم:
(فيه آيات بينٰت مقام إبراهيم)،[ال عمران 97. ]
فرغم وجود آيات متعددة حول الكعبة، لكن مقام إبراهيم خُصّ بالذكر، وهذا يدل على أهميته. وقد جُعل هذا المقام “إمامًا” للمصلين في الطواف.

٤.٦ – التنقل والرحلة والإقامة

من خصائص الحج التي لا توجد في كثير من العبادات (إلا الجهاد) هي الحركة والتنقل: من الميقات إلى الحرم، من الطواف إلى السعي، من الإحرام إلى عرفات، ثم مزدلفة، منى، وسائر الأعمال.

هذا التنقل يساهم في اختلاط الحجاج أكثر واقترابهم من الأهداف السامية للحج، كإزالة الكسل والخمول وتحفيز المسلمين على الحركات الكبرى.
٤.٧ – الابتعاد عن الأضرار الأخلاقية

(فلا رفث)، أي لا يجوز الاقتراب من النساء، ولا الفسوق، ولا الجدال أثناء الحج:
(الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واتقون يأولى الألباب)[البقرة/، آیه۱۹۷. ]

فالحج ميدان لمن سيطر على نفسه ولم يقع في الشهوة أو الصفات السيئة، ولا يخوض في جدالٍ لا يُقصد منه إلا الغلبة لا الوصول إلى الحقيقة.
٤.٨ – مكان لفعل الخير

قال الله تعالى:
(، إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما، ومن تطوع خيرًا فإن الله شاكر عليم)[البقرة/، ١٥٨].
القرآن يوصي كثيرًا بفعل الخير في الحج؛ وهذه السمة تمثل أرقى مظاهر التعايش، حيث يسعى الجميع لعمل الخير.

٤.٩ – الحج وسيلة لنيل التقوى
(فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)
أي: خذوا من الحج زادًا، وأفضل الزاد هو التقوى.
الأمر باكتساب التقوى من الحج يدل على أن الحج مهيّأ كبيئة خصبة لحصد هذا الزاد المبارك.
٥ – عملية تشكيل خصائص الحج في القرآن

١. الحج منظومة تتمحور حول التوحيد.

٢. يبرز فيه دور النبوة والإمامة.

٣. الأمن هدف مهم تم التركيز عليه من عدة جوانب.

٤. البركة وكثرة المنافع وجه آخر له.

٥. الهداية من مقاصد هذه المناسك؛ إذ يجب أن يُوجه الحج العالم كله، كقلب نابض يضخ الهداية في عروق البشر جميعًا، لا أن تقتصر الهداية على الحجاج فقط.

٦. في هذا المكان، جميع الناس أحرار من القيود السياسية والحدود المصطنعة، فهم عباد الله وحده؛ لأن الكعبة لا يملكها أحد، فهي البيت العتيق.

٧. تقوية الناس – وهي مرحلة فوق الهداية – وجه آخر من هذه المنظومة.

٨. حضور القادرين يعكس الغنى والقدرة، وحضور غيرهم يُسهّل انتقال الثروة والمعرفة بحال المجتمعات.

٩. الحج ذكر لله، لكنه ليس فقط حالة روحية منعزلة، بل يشمل شؤون الحياة كلها: الاقتصاد، السياسة، العبادة…

في أماكن مختلفة، توجد تجمعات كبرى (مثل نهر الغانج عند الهندوس)، لكنها غالبًا ذات بعد واحد وبعضها ضار، أما الحج فهو مخطط إلهي شامل؛ فالله هو العليم الحكيم.